كتاب وشعراء

محاولة فاشلة للهروب . . زكريا شيخ أحمد / سوريا

منذ أعوامٍ و أنا أبدّل الطرق
كما يبدّل الهاربُ ملامحه
‏‎أعبرُ المدنَ سريعاً،
أتركُ خلفي المقاهي و النوافذ
و الأسماء التي اعتادت صوتي .
‏‎كنتُ أظنّ أن المسافة دواءٌ جيد
‏‎لكنني كلما ابتعدتُ أكثر
وجدتُ نفسي
تجلسُ قبلي في آخر الطريق.

مرةً…
اختبأتُ في العمل، فامتلأت يداي بالأيام
و بقي الفراغ جالساً في صدري .
‏‎و مرةً …
اختبأتُ في الحب، لكنني رأيتُ ظلي
ينام بيننا و يصغي إلى كل شيء
‏‎حتى الصمت جرّبته طويلاً
‏‎أغلقتُ الأبواب، أطفأتُ الأخبار و تركتُ هاتفي يشيخ وحيداً فوق الطاولة
‏‎لكن الأصوات كانت تعرف طريقها إليّ
‏‎كانت تخرج من فنجان القهوة و من المرآة،
و من ارتعاشةٍ صغيرة في إصبع اليد.
ذات مساء ،قررتُ أن أهرب أبعد
جلستُ أمام البحر
‏‎راقبتُ السفن و هي تغادر الميناء
و فكرتُ:
كم يبدو الأمر سهلاً حين يكون للإنسان
أفقٌ يفرّ نحوه
ثم أدركتُ فجأةً أن المشكلة لم تكن في المكان.
كنتُ أحمل السجين و السجّان في الجسد نفسه.
عندها فقط توقفتُ عن الركض
‏‎جلستُ إلى جوار نفسي كأنني
أجلس إلى غريبٍ متعب
لم نتحدث كثيراً
‏‎لكنني للمرة الأولى لم أحاول الهرب
‏‎و منذ ذلك اليوم صار الطريق أقصر قليلاً
و صار الليل أقلَّ عداءً.
‏‎و كلما سألتني الريح إلى أين أنت ذاهب؟
أجيبها:
إليَّ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى