
كتب:هان الكنيسي
قبل يومين، أعادت الاستخبارات التركي فتح صفحة منسية من تاريخ الشرق الأوسط، بنشر وثيقة مصنّفة “سري للغاية” تكشف تفاصيل إقامة ‘روح الله الخميني’ على الأراضي التركية في ستينيات القرن الماضي.
الوثيقة، المؤرخة في 11 نوفمبر 1964، لا تحمل مفاجآت بقدر ما تضيف طبقة جديدة من التفاصيل إلى قصة رجل تنقّل بين المنافي، قبل أن يعود إلى طهران عام 1979 ليقود الثورة “الإسلامية” التي غيّرت وجه الشرق الأوسط ومعادلاته الجيوسياسية إلى اليوم.
تكشف الوثيقة الممهورة بتوقيع رئيس جهاز الأمن القومي ‘ضياء سليشيك’ أن “الضيف الإيراني” وصل إلى تركيا في 4 نوفمبر 1964، وتتضمن أمرا بشأن إقامة الخميني في مدينة بورصة “تحت رقابة أمنية دقيقة”، مع اعتماد اسم حركي له في المراسلات هو “بلّي”.
لا توحي الوثيقة بأي دعم تركي مباشر للخميني الذي كان رمزاً للمعارضة “الدينية” لنظام الشاه العلماني في طهران، بل ترسم ملامح إقامة “خاضعة للمراقبة والتنظيم الأمني”.
لكن أهمية تلك المحطة التركية أنها كانت بداية رحلة طويلة بين المنافي صاغت شخصية وشعبية الإمام الذي أصبح لاحقاً أكثر من مجرد رمز سياسي أو ديني.
بعد عام في بورصة التركية، انتقل الخميني إلى النجف، حيث أمضى نحو 14 عامًا، واصل خلالها نشاطه “الدعوي” والسياسي. لكنه ظل تحت أعين الأجهزة العراقية التي تعاملت معه بحذر و لم تشأ أن يتحول إلى مركز “تعبئة ثورية”، خاصة بعد أن صار صوته يصل إلى إيران عبر الأشرطة المسجلة والأنصار الشيعة.
وقد تضاربت الروايات عن “النقاشات الداخلية” في العراق بشأن مصير المعارض الذي سرعان ما تحول من منبر خافت إلى بوق مزعج في المعادلة المعقدة جغرافياً، والحساسة طائفيا، والمخيفة سياسياً.
بعض الشهود زعموا أن صدام حسين، حين كان في منصب نائب الرئيس “رفض فكرة تصفيته داخل النجف، لأنه كان ضيفًا على العراق”. وزعم آخرون أن الرفض كان “بسبب حسابات سياسية وأمنية” وأن صدام “درس إنهاء وجوده خارج العراق”.
ومع تصاعد الاحتجاجات الشعبية في إيران عام 1978، تحولت إقامة الخميني إلى عبء ثقيل على بغداد، تحت ضغط مباشر من الشاه محمد رضا بهلوي. فقرر “الرئيس” صدام حسين ترحيله، ليبدأ فصل جديد أكثر درامية.
بعد رفض الكويت استقباله، اختار الخميني التوجه إلى فرنسا. وفي ضاحية ‘نوفل لوشاتو’ خارج باريس، حدث التحول الأهم، من زعيم معارض محلي التأثير إلى شخصية دولية تتصدر العناوين. هناك، أجرى مئات المقابلات الإعلامية، وبثّت خطاباته إلى الداخل الإيراني بسرعة البرق، وأصبح محور اهتمام الصحافة العالمية. ولطالما أثارت هذه المرحلة تساؤلات حول دور الغرب: هل استفاد الخميني فقط من بيئة إعلامية مفتوحة؟ أم تلقى “تسهيلات” سرية؟!
في مذكراته ” Dans le secret des princes” (في سرّ الأمراء)، يوضح رئيس الاستخبارات الفرنسية SDECE الأسبق ‘ألكسندر دو مارانش’ أن وجود الخميني في فرنسا “أتاح له منصة إعلامية عالمية دون دعم سياسي مباشر”، لكنه لا ينفي صراحةً التقارير المتداولة عن تلقيه دعماً خفياً.
بينما ألمح ضابط الاستخبارات الفرنسي السابق ‘بول بارييل’ لاحقًا إلى أن جهازه الأمني “غضّ الطرف” عن نشاط الخميني (بأوامر عليا). واعتبر وزير الداخلية الفرنسي الأسبق ‘ميشيل بونياتوفسكي’ أن السماح له بالبقاء كان “قرارًا سياسيًا براغماتيًا”.
في المقابل، تكشف روايات أخرى أن جهات غربية ناقشت “إمكانية إبعاده أو حتى تصفيته خارج فرنسا”، ما يعكس مدى تعقيد المسألة وتشابكاتها بين المستووين السياسي والأمني.
يتفق معظم الباحثين على أن واشنطن وباريس لم تدعما الخميني كخيار “أيديولوجي”، بل تعاملتا معه كاحتمال “مرجح” ضمن سيناريوهات انهيار نظام الشاه الذي بدأ آنذاك يفقد شعبيته داخل إيران ووزنه الاستراتيجي لدى الغرب، ثم “فوجئتا لاحقاً بالنتيجة”.
وفي فبراير 1979، عاد الخميني إلى طهران كبطل شعبي. وفي غضون أسابيع، انهار النظام الملكي (الذي دام لأكثر من 2500 عام)، ليؤسس الإمام (الهندي الجذور) نظام “الجمهورية الإسلامية”، ويتولى منصب “المرشد الأعلى”، واضعًا أسس النظام الإيراني الذي يحاربه الغرب اليوم، ويعتبره البرتقالي الأمريكي العدو الأكبر والمعضلة المستعصية في معادلة الشرق الأوسط “الكبير”.
Amany Alwazeer