
كتب:هاني الكنيسي
زعمت شركة تتبع حركة السفن ‘تانكر تراكرز’ TankerTracker أن ناقلة نفط إيرانية عملاقة تحمل 1.9 مليون برميل أفلتت خلال الأيام الماضية من الرقابة الأمريكية ووصلت إلى موانئ الشرق الأقصى -غالبًا الصين – رغم الحصار البحري الخانق الذي تتباهى بتطبيقه القيادة المركزية (السنتكوم) على مضيق هرمز.
الشركة المستقلة التي تأسست عام 2016، وتتخذ من العاصمة السويدية ستوكهولم مقرًا، هي الأشهر عالميًا في مجال مراقبة حركة السفن في المناطق الجغرافية المتوترة سياسيًا أو تلك المرتبطة بما يُعرف باسم “تجارة الظل”.
هذه الواقعة، حسب سجلات الشركة، ليست الأولى من نوعها منذ إعلان واشنطن في بداية أبريل محاصرة موانئ إيران المطلة على الممر المائي الذي يعبره خُمس تجارة النفط العالمية. لكنها الأضخم من حيث دلالتها على عمق “الثغرات” في نظام العقوبات الأمريكي وعلى صعوبة فرض “حصار كامل” على صادرات إيران النفطية، على عكس ما يردد ترمب يوميًا، مراهنًا على قرب إفلاسها ورفع راية الاستسلام.
وهنا يبرز السؤال البديهي: كيف تفلت إيران من دوائر الحصار الأمريكي وتواصل تصدير نفطها إلى الأسواق الخارجية، وخصوصًا الصين؟!
الإجابة لا تكمن في ثغرة واحدة، بل في منظومة متكاملة من أساليب الالتفاف التي طورتها الخبرة الإيرانية “المتراكمة” خلال عقود من التعامل مع العقوبات.
بحسب تقارير كل من ‘فاينانشال تايمز’ و’رويترز’، تعتمد إيران على ما يُعرف بـ “أسطول الظل” المتمثّل في شبكة من الناقلات القديمة التي تعمل خارج النظام المالي والتأميني الغربي، والتي تستخدم “أساليب معقدة لإخفاء هويتها”، أبرزها:
1. إطفاء أنظمة التتبع الملاحية (AIS)المرتبطة بالأقمار الصناعية لأسابيع، فلا تظهر تحركاتها على الرادار البحري.
2. نقل شحنات النفط بين السفن في عرض البحر أو ما يُعرف بعمليات STS، ويتم ذلك غالبًا قرب سواحل ماليزيا أو الإمارات أو عُمان، لإخفاء مصدر الشحنة.
3. تغيير الأعلام والملكية الورقية، إذ تُسجّل السفن تحت أعلام دول صغيرة، وتُباع ملكيتها على الورق لشركات واجهة في سنغافورة وهونغ كونغ.
4. استخدام شركات شحن وتجارة وسيطة، غير خاضعة للرقابة الأمريكية.
هذه الأساليب، وفق مركز CSIS الأمريكي، “تجعل من المستحيل تقريبًا فرض حصار بحري كامل على إيران دون تصعيد عسكري واسع”.
وفيما تشير تقارير إعلامية إلى أن 12% من واردات النفط الصينية في عام 2025 وحده جاءت من إيران، توضح وكالة ‘بلومبيرغ’ أن بكين تستفيد من ثلاث مزايا في استيراد النفط الإيراني:
– أسعار مخفضة تصل إلى 10–15 دولارًا أقل من سعر السوق.
– صفقات بالعملة المحلية ‘اليوان’ تدعم قيمتها وتقلل من احتمالات التعقّب.
– شبكة مصافي “Teapots” الخاصة (المتركزة في إقليم ‘شاندونغ’) التي تستوعب معظم النفط الإيراني الخام، والتي تُعد الحلقة الأضعف في نظام العقوبات، لأنها تعمل خارج النظام الرسمي لشركات النفط الحكومية الصينية.
وفي المقابل، كثّفت وزارة الخزانة الأمريكية إجراءاتها ضد هذه الشبكات، وفرضت مؤخرا عقوبات على شركات شحن صينية خاصة، وعلى شركة ‘هينجلي للبتروكيماويات’، فضلا عن حظر عشرات السفن المرتبطة بنقل النفط الإيراني وتحذير مؤسسات مالية عالمية من “مغبة التعامل مع هذه التجارة”.
ومن جانبها، أصدرت وزارة التجارة الصينية قرارًا يحظر الامتثال للعقوبات الأمريكية، ووصفتها بأنها “أحادية الجانب وتفتقر إلى أساس قانوني دولي”.
وفي هذا السياق، يقدّر محللون غربيون أن حجم “السوق الموازي” الذي بنته إيران على مدار عقود بلغ مستوى “يصعب تفكيكه”، إلا عبر “استهداف البنية التحتية لتصدير النفط داخل إيران”.
لكن صحيفة ‘وول ستريت جورنال’ WSJ الأمريكية ترى أن مثل تلك الخطوة العدوانية، وبخلاف ما ستجره من هجمات “انتقامية” على البنى التحتية للطاقة في دول الخليج (وهو ما لم يتورع الحرس الثوري عن التهديد به مرارا وتكرارا)، ستفاقم الارتفاع الجنوني في أسعار الطاقة عالميًا، وتُلهب التوتر “الذي لا تُحمد عقباه” بين واشنطن وبكين.
ووفق أحدث تقارير “مجموعة الأزمة الدولية” International Crisis Group، ثمة عوامل ثلاثة أساسية تعوق احتمالات نجاح الحصار الأمريكي على إيران:
1. الجغرافيا المعقدة لمضيق هرمز الذي لا يتجاوز عرضه بضع كيلومترات، لكنه محاط بمياه دولية تجعل من الصعب محاصرته دون خرق القانون الدولي.
2. أوراق الضغط الإيرانية، مثل تهديد الملاحة في المضيق، وسهولة استهداف السفن بالقذائف والألغام، وقدرتها على تعطيل صادرات النفط الخليجية مما يوثر مباشرة على أسعار الوقود العالمية.
3. دعم الصين وروسيا، لأن بكين تعتبر النفط الإيراني “مصلحة استراتيجية”، وموسكو تشارك طهران في شبكات الالتفاف على العقوبات لأسباب معروفة.