رؤي ومقالات

السفير أحمد مجاهد يكتب :تعليق مبدئى على الاتفاق الأمريكى-الإيرانى:

تتحدث المعلومات والتسريبات، حتى الآن، عن تفاهم أمريكى إيرانى مؤقت يقوم، فى جوهره، على عدة عناصر مترابطة: وقف الأعمال العدائية، ورفع الحصار البحرى الأمريكى، وفتح مضيق هرمز من جانب إيران، وتعليق بعض عقوبات النفط والبتروكيماويات، والإفراج عن جزء من الأموال الإيرانية المجمدة، ثم الدخول فى مفاوضات نووية لمدة ستين يوما. وترددت أيضا، فى بعض الصيغ المتداولة، إشارة إلى خطة إعادة إعمار وتنمية واستثمار فى إيران قد تصل إلى ٣٠٠ مليار دولار. ولا يوجد، حتى الآن، نص رسمى كامل منشور وموقع من الطرفين، لذا يجب التعامل مع هذه التفاصيل باعتبارها مسودة أو تسريبات تفاوضية، لا اتفاقا نهائيا. لكنها، مع ذلك، مهمة لأنها كشفت اتجاه التفكير، وحدود الصفقة، وطبيعة المقايضة المطروحة.
من خلال المتاح من المعلومات، تتوزع بنود الاتفاق على ثلاث سلال. السلة الأولى أمنية، تتصل بوقف الحرب، وفتح هرمز، ورفع الحصار البحرى، وعدم توسيع الوجود العسكرى الأمريكى فى المنطقة خلال فترة التفاوض. والسلة الثانية اقتصادية: تعليق بعض العقوبات، والسماح لإيران ببيع النفط، والإفراج عن أموال مجمدة قد تصل، حسب التسريبات، إلى ٢٤ أو ٢٥ مليار دولار. أما السلة الثالثة فسياسية واستراتيجية: فتح مفاوضات نهائية حول التخصيب، والمخزون النووى، والمواد المخصبة، وآليات التفتيش، وربما تثبيت أى اتفاق نهائى بقرار من مجلس الأمن.
وفى قلب السلة الاقتصادية يظهر البند الأكثر لفتا للانتباه: ما تردد عن ٣٠٠ مليار دولار لإعادة إعمار إيران أو الاستثمار فى اقتصادها. وهذا الرقم، إن صح، لا ينبغى فهمه باعتباره “شيكا” أمريكيا مباشرا لطهران، ولا تعويضات عسكرية بالمعنى التقليدى. فالأرجح أنه، إذا كان بالفعل مطروحا، سيكون فى صورة برنامج استثمارى وتنموى أوسع، تشارك فيه -بالإضافة إلى الولايات المتحدة- أطراف دولية وإقليمية، وربما مؤسسات مالية وشركات كبرى، لا سيما فى محالات تطوير الأسطول الجوى المدنى الإيرانى ومنشآت تكرير النفط والغاز.
لكن أهميته لا تكمن بالأساس فى حجمه فقط، بل فى دلالته. فهو يعنى أن هناك تفكيرا أمريكيا فى نقل العلاقة مع إيران من منطق الحصار الكامل إلى منطق الإدماج المشروط: النفط مقابل التهدئة، والأموال مقابل القيود، والاستثمار مقابل تغيير السلوك.
من وجهة نظر النظام الإيرانى، يمنحه الاتفاق فرصة بقاء قبل أى شىء آخر. فهو يوقف الحرب دون إعلان الهزيمة أو الاستسلام، ويفتح باب النفط والأموال، وربما الاستثمارات، ويمنح النظام فرصة لترميم الداخل بعد الضربات والخسائر والضغط الاقتصادى. كما يسمح له بأن يقول لجمهوره إنه لم يفرط فى أوراق القوة الكبرى: لا الصواريخ، ولا الحلفاء، ولا النفوذ الإقليمى، ولا ورقة هرمز. ولذلك، المهم فى النص بالنسبة لطهران ليس ما حصلت عليه ماديا فقط، بل أيضا ما لم تضطر إلى تقديمه سياسيا ورمزيا.
لكن الاتفاق لا يمكن اعتباره مكسبا إيرانيا خالصا. فالدخول فى مفاوضات حول التخصيب والمخزون والتفتيش يضع النظام الإيرانى أمام اختبارات صعبة. فإذا قبل بقيود نووية قاسية، فقد يواجه اتهاما داخليا -من المتشددين والمعارضين على حد سواء- بأنه قد تراجع تحت الضغط. وإذا رفض، فقد تعود العقوبات والحصار والتهديد العسكرى، بما يعود بنزيف شعبيته وشرعيته إلى نقطة كان قد نجح فى تخطيها بفعل الحرب والصمود. كما أن الانفتاح الاقتصادى نفسه يحمل خطرا على النظام وعلى مراكز القوى فيه التى تسيطر على موارده وأهمها الحرس الثورى. فالأموال والاستثمارات لا تدخل وحدها، بل تدخل معها توقعات جديدة، ومصالح جديدة، وربما ضغوط اجتماعية وسياسية لا يريدها النظام أن تخرج عن السيطرة.
أما من زاوية ترامب، فيمنحه الاتفاق مخرجا سياسيا مهما. حيث يستطيع أن يقول إنه استخدم القوة، ثم فتح باب التفاوض، وأوقف الحرب، وأعاد فتح هرمز، ومنع إيران من الذهاب إلى مدى أبعد فى الملف النووى. وهذا مهم لحسابات البقاء السياسى عند ترامب. فالحرب الطويلة كانت سترفع أسعار الطاقة، وتنال من شعبيته لدى الرأى العام الأمريكى بشكل لا يمكن معالجته، وتفتح الباب لهجوم داخلى من خصومه ومن جزء من قاعدته التى لا تريد حروبا جديدة. أما الاتفاق، حتى لو كان مؤقتا، فيسمح له بتقديم نفسه كرجل ضغط وصفقات، لا كرئيس تورط فى حرب غير ضرورية بلا نهاية.
لكن واشنطن تواجه معضلة واضحة. فإذا حصلت إيران على المال والنفط وفتح هرمز، وربما تعهد ال٣٠٠ مليار دولار، دون قيود نووية واضحة وتفتيش فعال وآلية عقاب قابلة للتنفيذ، فسيبدو الاتفاق كأنه أنقذ إيران وكافأها لا كأنه غير سلوكها. ولذلك سيكون الاختبار الحقيقى ليس فى إعلان الاتفاق، ولكن فى ترتيبات التنفيذ: فهل تكون المكاسب الإيرانية تدريجية ومشروطة، أم تحصل طهران على الثمن مبكرا وتترك التنازلات الحقيقية لمرحلة لاحقة؟
أما من زاوية نتنياهو، فتبدو إسرائيل أكبر الخاسرين من الاتفاق إذا تأكدت خطوطه العامة. فالمشكلة، بالنسبة له، ليست فى البرنامج النووى وحده، بل فى النظام الإيرانى ككل، فى عقيدته وفى منظومته الإقليمية: الصواريخ، والطائرات المسيرة، وحزب الله، والحوثيون، والفصائل العراقية.
ولذلك، إذا اكتفى الاتفاق بتقييد القدرات النووية، وترك باقى المنظومة ، فسيراه نتنياهو هدنة خطرة منحت إيران شرعية وموارد وحياة جديدة. فالحرب، من وجهة النظر الإسرائيلية، كانت فرصة لإضعاف إيران بعمق، واستنزاف نفوذها الإقليمى، وإعادة تشكيل ميزان القوة فى المنطقة. أما الاتفاق فيوقف هذه اللحظة قبل اكتمالها، ويعيد إيران إلى طاولة التفاوض، ويفتح لها باب النفط والأموال وربما الاستثمار، دون أن يضمن تفكيك الصواريخ أو شبكة الحلفاء. وعلى الصعيد الداخلى الإسرائيلى، سيجد نتنياهو صعوبة فى قبول اتفاق أوقف الحرب دون أن تحقق إسرائيل أهدافها -المعلنة وغير المعلنة.
لذلك سيكون رد إسرائيل المتوقع هو محاولة إفساد الاتفاق أو تفريغه من مضمونه، لا مجرد الاعتراض عليه. لن يكون الرفض بالضرورة مباشرا وعلنيا من اللحظة الأولى، وبصفة خاصة لأن ترامب هو راعى الاتفاق. لكن نتنياهو سيستخدم كل ما لديه من أدوات للضغط داخل واشنطن، وسيحاول تحريك الكونجرس، والإعلام، وشبكات التأثير، وسيطالب بشروط أقسى على التخصيب، والمخزون النووى، والتفتيش، والصواريخ، والوكلاء. وقد تختبر إسرائيل حدود التفاهم بضربات محدودة فى لبنان أو سوريا، أو ضد خطوط نقل السلاح، لتؤكد أن الاتفاق الأمريكى الإيرانى لا يقيد يدها. وقد تلجأ أيضا إلى التصعيد المحسوب، أو التسريب، أو افتعال أزمات جانبية، إذا رأت أن الاتفاق يتحول إلى مظلة حماية لإيران. فإسرائيل قد لا تستطيع منع الاتفاق من البداية، لكنها ستسعى بكل ما تستطيع لمنع نجاحه.
أما الخليج، فسيرحب بالتهدئة، لكنه سيظل قلقا. فدول الخليج لا تريد حربا فى هرمز، ولا ارتفاعا كبيرا فى أسعار الطاقة، ولا ضربات متبادلة قرب موانئها ومنشآتها. لكنها ستسأل السؤال القديم نفسه: هل تؤدى الصفقة الأمريكية الإيرانية إلى تهذيب سلوك إيران، أم إلى تقويتها؟ وهل ستذهب الأموال الجديدة إلى التنمية داخل إيران، أم إلى العراق وسوريا ولبنان واليمن؟ وهل يكون الإدماج الاقتصادى وسيلة لتغيير الحسابات الإيرانية، أم مجرد فرصة للنظام الإيرانى لالتقاط أنفاسه؟
لذلك سيكون الإقليم هو اختبار الاتفاق الحقيقى. فإذا هدأت جبهات لبنان والعراق واليمن، أمكن القول إن الاتفاق بدأ يؤثر فى سلوك إيران وحلفائها. أما إذا بقيت هذه الجبهات نشطة، فسيعنى ذلك أن الاتفاق أوقف الحرب المباشرة بين واشنطن وطهران، لكنه لم يغير منطق الصراع الإقليمى. وسيكون لبنان تحديدا هو الاختبار الأول، لأنه ساحة التماس الملتهبة بين إيران وإسرائيل، ولأن أى ضربة كبيرة أو رد كبير قد يكفى لإرباك الهدنة كلها.
ودوليا، ستدعم أوروبا الاتفاق لأنها تريد خفض التصعيد، وحماية الملاحة، ومنع أزمة طاقة جديدة، وتفادى سباق نووى فى الشرق الأوسط. وسترَحب الصين والدول الآسيوية بوقف الحرب وتدفق الطاقة إليها، لكن روسيا والصين لن تكونا مرتاحتين تماما لأى عودة إيرانية واسعة إلى الأسواق الغربية، لأنها قد تقلل اعتماد طهران عليهما. أما الأسواق فستتعامل مع فتح هرمز كخبر إيجابى، لكنها ستظل حساسة لأى حادث بحرى، أو ضربة إسرائيلية، أو خلاف حول التفتيش النووى.
الخلاصة أن الاتفاق المحتمل، إذا سار فى خطوطه المتداولة، يمنح الجمهورية الإسلامية الإيرانية صورة انتصار وفرصة بقاء ومتنفسا اقتصاديا وسياسيا، ويمنح إدارة ترامب تهدئة يمكن تسويقها أيضا كانتصار وإنجاز -على الأقل لعتاة مؤيديه- ويمنح الخليج وأوروبا خفضا مهما للتصعيد، وإن كان بلا ضمانات كاملة. أما إسرائيل فهى الطرف الأكثر خسارة وقلقا. فقد أرادت حربا تضعف إيران إلى أقصى حد وتقضى على النظام، فإذا بالاتفاق يوقف الحرب، ويعيد إيران إلى التفاوض، ويترك لها جزءا مهما من أوراقها بل يضيف إليها مضيق هرمز، وربما يفتح لها باب الأموال والاستثمارات. ولذلك- كما سبق- سيحاول نتنياهو تخريب الاتفاق أو تعطيله أو تشديد شروطه إلى الحد الذى يفقده قيمته بالنسبة لطهران.
السؤال الحاسم لم يعد فقط: هل هناك اتفاق؟ بل: هل سيُسمح لهذا الاتفاق بأن يعيش؟ وهل سيغير سلوك إيران، أم يمنحها وقتا لإعادة بناء قوتها؟ وهل يكون بند ال٣٠٠ مليار دولار أداة إدماج مشروط، أم مكافأة مبكرة؟ وهل يستطيع ترامب ضبط إسرائيل، كما يطلب من إيران ضبط حلفائها؟ وهل يستطيع النظام الإيرانى أن يقبل بقيود حقيقية دون أن يظهر ضعيفا أمام جمهوره ونخبته الأمنية؟
هنا فقط سيتحدد ما إذا كنا بصدد بداية تحول إقليمى من المواجهة الاستراتيجية إلى الدمج الاستراتيحى، أم مجرد استراحة قصيرة قبل بداية جولة جديدة من المواجهات.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى