رؤي ومقالات

د . محمد سيد أحمد يكتب : حين تغيب العدالة .. تفقد كرة القدم شعبيتها !!

حين تغيب العدالة .. تفقد كرة القدم شعبيتها !!

د . محمد سيد أحمد / مصر
جاءت فكرة هذا المقال ثمرة حوار طويل وعميق دار بيني وبين صديقي العزيز الأستاذ الدكتور خالد فوزي، حول العلاقة المتشابكة بين الرياضة والسياسة، وبين المنافسة الرياضية ومنظومة القيم التي تقوم عليها المجتمعات. وقد انتهى بنا الحوار إلى أن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة تحسم نتائجها داخل المستطيل الأخضر، بل أصبحت ظاهرة اجتماعية وسياسية واقتصادية تعكس طبيعة المؤسسات ومدى احترامها لمبادئ العدالة والشفافية. ومن هنا جاءت هذه القراءة، التي لا تستهدف الاعتراض على نتيجة مباراة بقدر ما تسعى إلى مناقشة قيمة العدالة بوصفها الركيزة الأساسية التي تمنح الرياضة معناها، وتحافظ على ثقة الجماهير في اللعبة الأكثر شعبية في العالم.
 
ليست الأمم الكبيرة هي التي لا تخسر، وإنما هي التي تعرف كيف تحول لحظات الخسارة إلى مناسبة للمراجعة والتأمل والدفاع عن القيم التي تجعل المنافسة شريفة والرياضة رسالة إنسانية قبل أن تكون سباقًا نحو الألقاب. ومن هذه الزاوية، فإن مباراة مصر والأرجنتين في كأس العالم 2026 لم تعد مجرد صفحة في سجل النتائج، بل أصبحت لحظة سياسية واجتماعية وثقافية تستحق القراءة، لأنها كشفت حجم الفجوة بين ما تنتظره الجماهير من عدالة رياضية، وبين ما تشعر به عندما تخرج من الملعب مثقلة بالأسئلة أكثر من اقتناعها بالإجابات.
 
لقد بدا المنتخب المصري، في تلك المواجهة، ممثلًا لإرادة شعب يؤمن بأن الإرادة الإنسانية قادرة على تجاوز الفوارق الفنية والإمكانات الاقتصادية. لعب اللاعبون بعزيمة، وواجهوا منتخبًا يضم أسماء كبيرة لها تاريخها وجماهيريتها، لكنهم لم يدخلوا المباراة بعقدة النقص، بل بروح المنافسة التي تمنح الرياضة معناها الحقيقي. ولهذا فإن الجدل الذي أعقب اللقاء لم يكن تعبيرًا عن رفض للهزيمة في ذاتها، وإنما عن شعور بأن بعض القرارات التحكيمية تركت أثرًا عميقًا في وجدان الجماهير، وجعلت كثيرين يطالبون بمزيد من الشفافية في إدارة المباريات الكبرى.
 
ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن الثقة هي رأس المال الحقيقي لأي مؤسسة. فإذا ضعفت الثقة، لم يعد يكفي أن تكون الإجراءات صحيحة، بل يصبح مطلوبًا أن تكون واضحة وقابلة للفهم والإقناع. ولهذا السبب، فإن البطولات العالمية لا تقاس فقط بجمال الأهداف أو قوة المنافسة، وإنما بقدرتها على إقناع الشعوب بأن العدالة تطبق على الجميع دون تمييز، وأن الشهرة والقوة الاقتصادية والنفوذ السياسي لا تمنح أي طرف امتيازًا داخل الملعب.
 
ولا يخفى على أحد أن كرة القدم الحديثة أصبحت جزءًا من اقتصاد عالمي ضخم، تتداخل فيه حقوق البث، وعقود الرعاية، والإعلانات، والمنصات الرقمية، والأسواق المالية، هذا إلى جانب التدخلات السياسية. وهذا الواقع يفسر لماذا تزداد حساسية الجماهير تجاه أي قرار تحكيمي مثير للجدل، ولماذا تنتشر التحليلات والتكهنات بسرعة كبيرة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. ولا يعني ذلك أن كل ما يتداول صحيح، لكنه يكشف عن حاجة ملحة إلى مزيد من الشفافية، لأن الفراغ المعلوماتي يملؤه دائمًا التأويل.
 
 فكل من تابع مباراة مصر والأرجنتين يمكن أن يسجل العديد من التجاوزات التحكيمية لصالح الأرجنتين ولاعبها ميسي المرتبط بعقود الرعاية والاعلانات والأسواق المالية، والذي يسعى الرعاة والمنظمين إلى استمرار وجوده وفريقه لأطول فترة ممكنة، وهنا يمكننا ملاحظة لغة الجسد لرئيس الفيفا أثناء متابعته للمباراة والتي توضح انحياز كبير للأرجنتين وميسي متغافلاً الانحياز الواضح من حكم المباراة (اليهودي – الصهيوني) وتعمده إلحاق الهزيمة بالفريق المصري، وبالطبع هناك تأويلات كثيرة حول تأثير السياسة على الرياضة، وهنا يمكن تفسير الانحياز الكبير للأرجنتين المؤيدة للعدو الإسرائيلي والتي رفعت جماهيره أعلام الكيان في المدرجات، ولا يخفى موقف ميسي المؤيد للكيان، في الوقت الذي قام فيه مدرب المنتخب المصري حسام حسن برفع علم فلسطين بعد الفوز على استراليا، لذلك كان لابد وأن تعاقب بلاده بالخروج من البطولة بأي ثمن.
 
إن العدالة في الرياضة ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل هي ركيزة للاستقرار الاجتماعي. فحين يقتنع الناس بأن المنافسة عادلة، فإنهم يتقبلون النتيجة مهما كانت. أما حين تتسع مساحة الشك، فإن الإحباط يتحول إلى أزمة ثقة، وتصبح المباراة الواحدة مصدرًا لنقاشات تتجاوز حدود الملعب إلى الحديث عن المؤسسات وآليات اتخاذ القرار.
 
لقد أثبت المنتخب المصري أنه يملك القدرة على مقارعة الكبار، وأن مشروعه الرياضي يستحق الاحترام والدعم. وما تحتاجه الكرة المصرية بعد هذه التجربة ليس البكاء على نتيجة مباراة، وإنما الإصرار على تطوير الأداء، مع المطالبة في الوقت نفسه بمزيد من الشفافية والوضوح في إدارة البطولات الدولية، لأن قوة الرياضة لا تنبع من نفوذ المؤسسات، بل من ثقة الشعوب في نزاهتها.
 
إن الدفاع عن العدالة لا يعني رفض الهزيمة، كما أن المطالبة بالمراجعة لا تعني اتهام الآخرين. إنها دعوة إلى ترسيخ مبدأ بسيط لكنه عظيم: أن يبقى القانون فوق الجميع، وأن يكون الحكم الحقيقي هو الأداء داخل المستطيل الأخضر، لا أي اعتبار آخر. فحين يشعر اللاعب والجمهور بأن الفرص متكافئة، يصبح الانتصار أكثر قيمة، والهزيمة أكثر قبولًا، والبطولة أكثر احترامًا.
 
وفي النهاية ستطوى صفحات كأس العالم، وسترفع الكؤوس وتلتقط الصور، لكن ما سيبقى في ذاكرة الشعوب هو مدى شعورها بأن العدالة كانت حاضرة في كل دقيقة من دقائق المنافسة. فالأمم قد تنسى نتيجة مباراة، لكنها لا تنسى الإحساس بالإنصاف أو غيابه. ولهذا فإن مستقبل كرة القدم العالمية مرهون بقدرتها على حماية أغلى ما تملكه: ثقة الجماهير. فإذا بقيت هذه الثقة راسخة، بقيت اللعبة الجميلة مصدرًا للإلهام والوحدة. أما إذا اهتزت، فإن الخسارة لن تكون خسارة منتخب، بل خسارة الفكرة التي جعلت من كرة القدم اللغة المشتركة بين شعوب الأرض، اللهم بلغت اللهم فاشهد.
 
بقلم/ د. محمد سيد أحمد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى