كتاب وشعراء

القراءة والنهضة الحضارية في المجتمعات العربية: بين الإرادة والواقع.. بقلم الكاتب: محمد عدنان بن مير

تُعدّ القراءة من أعظم النعم التي أنعم الله بها على الإنسان، فهي الوسيلة التي تنتقل بها المعارف عبر الأجيال، والأداة التي يتجاوز بها العقل حدود الزمان والمكان ليطلع على تجارب الأمم وخبرات الشعوب. وبفضل القراءة استطاع الإنسان أن يبني الحضارات ويؤسِّس العلوم ويحقق منجزات غيرت وجه التاريخ. ولعلَّ المكانة السامية التي حظيت بها القراءة في الإسلام تتجلَّى في كون أول خطاب إلهي توجَّه إلى البشرية كان قوله تعالى: **﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾**، وهو أمر يحمل في طيَّاته دلالات عميقة تؤكِّد أن العلم والمعرفة هما أساس بناء الإنسان وعمران الأرض.

إنَّ القراءة ليست مجرد عملية ميكانيكية لفكِّ الرموز والكلمات، بل هي فعل حضاري يساهم في تشكيل الوعي الفردي والجمعي، ويمنح الإنسان القدرة على التفكير النقدي واستيعاب المتغيرات وتحليل الوقائع وإنتاج الأفكار. كما أنَّها تمثِّل الشرط الأول لأي مشروع تنموي أو نهضوي، لأن التنمية الحقيقية تبدأ من الإنسان وتنتهي إليه.

غير أنّ المتأمّل في واقع المجتمعات العربية يلحظ مفارقة واضحة بين المكانة النظرية التي تحتلَّها القراءة في الخطاب الثقافي والتربوي، وبين حضورها الفعلي في سلوك الأفراد وسياسات الدول. فبالرغم من الانتشار الواسع للمؤسسات التعليمية ووسائل الاتصال الحديثة، ماتزال معدلات القراءة والإنتاج المعرفي دون المستوى الذي يؤهل الأمة للدخول بقوة إلى عصر المعرفة.

ومن هنا تثار الإشكالية الآتية:

**إلى أي مدى تمتلك المجتمعات العربية الإرادة السياسية والثقافية الكفيلة بتحويل القراءة إلى رافعة حضارية قادرة على تغيير مسار التاريخ وصناعة نهضة شاملة؟

أولاً: القراءة بوصفها أساساً لقيام الحضارات الإنسانية

عبر التاريخ لم تقم حضارة من الحضارات الكبرى على القوة العسكرية أو الثروة الاقتصادية وحدهما، وإنما قامت أساساً على المعرفة والعلم. فالحضارة المصرية القديمة ازدهرت بفضل تراكم الخبرات والمعارف، والحضارة اليونانية بلغت أوجها بفضل الفلسفة والتفكير العقلي، أما الحضارة الإسلامية فقد حقَّقت إشعاعها العالمي عندما جعلت من العلم والكتاب محوراً لمشروعها الحضاري.

لقد أدرك المسلمون الأوائل قيمة القراءة باعتبارها مفتاحاً للعلم، فترجموا كتب الأمم السابقة، وأنشؤوا المكتبات وبيوت الحكمة، وشجعوا التأليف والبحث في مختلف المجالات. ولم يكن ازدهار بغداد وقرطبة والقيروان ودمشق إلا نتيجة مباشرة لانتشار المعرفة وإقبال الناس على التعلّم والقراءة.

فالقراءة تسمح للفرد بأن يتجاوز حدود تجربته الشخصية ليستفيد من تجارب الآخرين، وتكسبه القدرة على المقارنة والاستنتاج والتحليل. وهي بذلك تساهم في تكوين شخصية متوازنة قادرة على اتخاذ القرارات السليمة والتعامل مع المشكلات بوعي وعقلانية.

ومن الناحية الاجتماعية، تؤدِّي القراءة دوراً أساسياً في خلق مجتمع مثقف وواعٍ بحقوقه وواجباته، قادر على المشاركة في الحياة العامة والمساهمة في التنمية. فكلما ارتفع مستوى الوعي المجتمعي ازدادت فرص الاستقرار السياسي والتقدُّم الاقتصادي والتماسك الاجتماعي.

أما على المستوى الاقتصادي، فقد أصبحت المعرفة في العصر الحديث مورداً استراتيجياً يفوق في أهميته الموارد الطبيعية. ولذلك نجد أن الدول المتقدمة تستثمر بكثافة في التعليم والبحث العلمي وصناعة الكتاب، لأنها تدرك أن الثروة الحقيقية تكمن في عقل الإنسان لا في باطن الأرض.

ثانياً: أهمية القراءة في بناء الإنسان العربي المعاصر

تشكِّل القراءة اليوم ضرورة وجودية أكثر منها خياراً ثقافياً، لأنَّ العالم يعيش تحولات متسارعة تفرض على الأفراد مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية باستمرار. فالإنسان الذي لا يقرأ يجد نفسه عاجزاً عن فهم التحولات التي يشهدها العالم، في حين يتمكّن القارئ من التكيف مع المتغيرات واستثمار الفرص التي تتيحها.

كما تساهم القراءة في تنمية مجموعة من المهارات الفكرية الضرورية، مثل القدرة على التحليل والنقد والاستدلال وحل المشكلات. وهي مهارات أصبحت من المتطلبات الأساسية في سوق العمل الحديث الذي لم يعد يكتفي بالمعارف التقليدية، بل يبحث عن الكفاءات القادرة على التفكير والإبداع.

وإضافة إلى ذلك، تلعب القراءة دوراً مهماً في تعزيز الهوية الثقافية والحضارية للأفراد. فمن خلال الاطلاع على التراث الفكري والأدبي والتاريخي للأمة، يتمكّن الإنسان من فهم جذوره الحضارية واستيعاب مقومات شخصيته الثقافية، دون أن يمنعه ذلك من الانفتاح على ثقافات العالم المختلفة.

كما أن القراءة تساهم في مكافحة العديد من الظواهر السلبية، مثل التعصب والتطرف والانغلاق الفكري، لأنها توسع آفاق الإنسان وتجعله أكثر تقبلاً للاختلاف وأكثر قدرة على الحوار والتسامح. فالشخص الذي يقرأ كثيراً يدرك نسبية الأفكار وتعدد وجهات النظر، الأمر الذي يجعله أقل ميلاً إلى الأحكام المطلقة وأكثر استعداداً للتفكير العقلاني.

ثالثاً: واقع القراءة في المجتمعات العربية بين الطموح والتحديات

على الرغم من الوعي المتزايد بأهمية القراءة، فإنَّ الواقع العربي لايزال يواجه تحديات كبيرة تعوق تحوّل القراءة إلى سلوك مجتمعي راسخ.

أولى هذه التحديات تتمثل في طبيعة الأنظمة التعليمية التي مازال جزء كبير منها يعتمد على الحفظ والاستظهار بدل التحليل والبحث والاستكشاف. فالطالب يقرأ غالباً بهدف النجاح في الامتحان لا بهدف اكتساب المعرفة، ما يؤدِّي إلى ضعف العلاقة بينه وبين الكتاب خارج المؤسسة التعليمية.

كما تعاني العديد من المجتمعات العربية من محدودية الفضاءات المخصصة للقراءة، سواء تعلق الأمر بالمكتبات العامة أو المراكز الثقافية أو دور النشر المحلية. ويؤدِّي هذا الوضع إلى صعوبة الوصول إلى الكتاب بالنسبة لشرائح واسعة من المجتمع، ولا سيَّما في المناطق النائية.

ومن التحديات أيضاً ارتفاع أسعار الكتب مقارنة بالدخل الفردي في بعض الدول، الأمر الذي يجعل اقتناء الكتاب أحياناً ترفاً ثقافياً لا يقدر عليه الجميع. ويضاف إلى ذلك ضعف صناعة النشر والتوزيع وما تواجهه من صعوبات مادية وتقنية.

ومن جهة أخرى، فرضت الثورة الرقمية نوعاً جديداً من التحديات، حيث أصبح الأفراد يقضون ساعات طويلة أمام الشاشات ووسائل التواصل الاجتماعي، وهو ما أثر سلباً على وقت القراءة التقليدية. ومع أن التكنولوجيا توفِّر فرصاً هائلة للوصول إلى المعرفة، فإنَّ الاستخدام غير الرشيد لها قد يتحوَّل إلى عامل يصرف الأفراد عن القراءة المتعمِّقة لصالح المحتوى السريع والمختصر.

كما يلاحظ أنَّ الثقافة الاستهلاكية أصبحت في كثير من الأحيان أكثر جاذبية من الثقافة المعرفية، حيث يتمّ التركيز على الترفيه أكثر من التركيز على اكتساب العلم وتنمية الفكر، وهو ما ينعكس على ترتيب أولويات الأفراد داخل المجتمع.

رابعاً: الإرادة السياسية ودورها في صناعة مجتمع قارئ

لا يمكن لأيِّ مشروع حضاري قائم على القراءة أن ينجح دون وجود إرادة سياسية حقيقية تضع المعرفة في قلب السياسات العمومية.
فالدولة هي الجهة القادرة على توفير البيئة القانونية والمؤسسية والمالية اللازمة لنشر ثقافة القراءة. ويمكن أن يتجسّد ذلك من خلال بناء المكتبات العامة، ودعم النشر، وتشجيع الترجمة، وتوفير الكتب بأسعار مناسبة، وتطوير المناهج التعليمية بما يعزز التفكير الحر والبحث العلمي.

كما أنَّ الإرادة السياسية تظهر من خلال تخصيص ميزانيات معتبرة للتعليم والبحث العلمي، لأنَّ القراءة تصبح أكثر فعالية عندما تكون جزءاً من منظومة متكاملة لإنتاج المعرفة. فالدول التي تتصدَّر مؤشرات التقدُّم العلمي هي نفسها الدول التي تجعل الاستثمار في الإنسان والعلم أولوية استراتيجية.

إضافة إلى ذلك، تستطيع الدولة أن توظف وسائل الإعلام العمومية والمؤسسات الثقافية لترسيخ صورة إيجابية عن القراءة والكتاب، وتقديم النماذج الناجحة التي ارتقت بالعلم والمعرفة، مما يساهم في تحويل القراءة إلى قيمة اجتماعية راسخة.

غير أن الإرادة السياسية وحدها لا تكفي إذا لم تتكامل مع إرادة مجتمعية وثقافية تؤمن بأنَّ القراءة ليست مسؤولية الدولة فقط، بل مسؤولية الجميع.

خامساً: الإرادة الثقافية ومسؤولية المجتمع في نشر القراءة

إذا كانت الدولة تملك أدوات التشريع والتمويل، فإنَّ المجتمع يملك أدوات التأثير والتنشئة. ولذلك فإنَّ نجاح أي مشروع للقراءة يتوقَّف إلى حدٍّ كبير على دور الأسرة والمدرسة والجامعة والإعلام ومؤسسات المجتمع المدني.

فالأسرة تمثِّل البيئة الأولى التي يكتسب فيها الطفل عاداته الثقافية. وعندما يرى الأبناء آباءهم وأمهاتهم يقرؤون بانتظام، فإنهم يكتسبون تلقائياً ميلاً نحو المطالعة. أما إذا غاب الكتاب عن البيت، فإنَّ فرص تكوين قارئ مستقبلي تتراجع بشكل ملحوظ.

كما تتحمَّل المدرسة مسؤولية مركزية في غرس حب القراءة من خلال تشجيع المطالعة الحرة وتنظيم الأنشطة الثقافية والمسابقات الفكرية، بدلاً من الاقتصار على المقررات الدراسية التقليدية.

أما وسائل الإعلام، فينبغي أن تتجاوز منطق الترفيه المحض لتخصص مساحة أكبر للكتب والمفكرين والبرامج الثقافية، لأن الإعلام يمتلك قدرة استثنائية على توجيه الذوق العام وصناعة الاهتمامات المجتمعية.

كذلك تلعب الجمعيات الثقافية والمكتبات والمبادرات التطوعية دوراً مهماً في تقريب الكتاب من الجمهور وتوسيع دائرة المهتمين بالقراءة، خصوصاً في أوساط الشباب.

يتبيَّن ممَّا سبق أنَّ القراءة ليست مجرد هواية ثقافية أو ممارسة فردية معزولة، بل هي مشروع حضاري متكامل يهدف إلى بناء الإنسان القادر على التفكير والإبداع والمشاركة في صناعة المستقبل. وقد أثبت التاريخ أنَّ الأمم التي جعلت المعرفة محوراً لنهضتها استطاعت أن تحقِّق التقدم والازدهار، في حين بقيت الأمم التي أهملت العلم أسيرة التخلف والتبعية.

كما يتَّضح أنَّ المجتمعات العربية تمتلك رصيداً حضارياً وثقافياً يؤهلها للانخراط في مشروع نهضوي قائم على القراءة والمعرفة، غير أن تحقيق هذا الهدف يظل رهيناً بتوافر إرادة سياسية جادة تستثمر في الإنسان والعلم، وإرادة ثقافية مجتمعية تجعل الكتاب جزءاً من الحياة اليومية للفرد.

فالقراءة لا تغيِّر الأفراد فحسب، بل تعيد تشكيل وعي الأمم وتعيد رسم خرائط القوة في العالم. وهي السبيل الأنجع للانتقال من الاستهلاك إلى الإنتاج، ومن التقليد إلى الإبداع، ومن التبعية إلى الريادة. ولذلك فإن الرهان الحقيقي ليس في تعليم الناس القراءة فقط، وإنما في جعلهم يؤمنون بأن المعرفة قوة، وأن الكتاب وسيلة للتحرُّر والتنمية وصناعة الحضارة.

وإذا كانت الأمم تُبنى بالعقول قبل الأموال، وتُقاس بقيمة ما تنتجه من معرفة قبل ما تملكه من ثروات، فإنَّ السؤال الذي يبقى مطروحاً في المستقبل هو:

**هل تستطيع المجتمعات العربية أن تنتقل من مرحلة تمجيد القراءة في الخطابات والشعارات إلى مرحلة تحويلها إلى مشروع حضاري شامل يصنع إنسان المعرفة ويؤسِّس لنهضة عربية قادرة على المنافسة في عالم تحكمه الثورة العلمية والتكنولوجية؟

بقلم: محمد عدنان بن مير
كاتب وباحث ومفكِّر جزائري

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى