اِقْرَأْ وَجُوداً لا أَمْراً: فِعْلُ الْمَعْنَى بَيْنَ الْمَكَانِ وَالزمَانِ فِي أُفُقِ مَا بَعْدَ الْهَيْمَنَةِ.. بقلم الكاتب: مُحَمد عَدْنَانْ بنْ مِير

لا يُفْهَمُ فِعْلُ القِرَاءَةِ، فِي أَعْمَاقِهِ الفِلْسَفِيَّةِ، عَلَى أَنَّهُ مَهَارَةٌ ذِهْنِيَّةٌ أَوْ مُمَارَسَةٌ تَعْلِيمِيَّةٌ مَحْضَةٌ، بَلْ يَتَجَلَّى كَفِعْلٍ وُجُودِيٍّ يَتَأَسَّسُ دَاخِلَ شَبَكَةٍ مُعَقَّدَةٍ مِنَ العَلَاقَاتِ الَّتِي تَرْبِطُ الإِنْسَانَ بِالعَالَمِ، وَتَمْنَحُهُ إِمْكَانَ الظُّهُورِ دَاخِلَ أُفُقِ المَعْنَى. فَالْقِرَاءَةُ لَا تَنْبَعُ مِنَ النَّصِّ وَحْدَهُ، بَلْ مِنَ الشُّرُوطِ الَّتِي تَسْمَحُ لِهَذَا النَّصِّ أَنْ يَكُونَ حَدَثاً فِي الوَعْيِ، وَتَجْعَلُ مِنَ الفِهْمِ مُمَارَسَةً مُنْخَرِطَةً فِي الزَّمَانِ وَالمَكَانِ، لَا اسْتِجَابَةً لُغَوِيَّةً مَعْزُولَةً.
مِنْ هَذَا المُنْطَلَقِ، تَتَّخِذُ «اِقْرَأْ» دَلَالَةً تَتَجَاوَزُ الأَمْرَ اللُّغَوِيَّ إِلَى نِدَاءٍ وُجُودِيٍّ يُؤَسِّسُ لِعَلَاقَةٍ خَاصَّةٍ بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالمَعْنَى. فَهِيَ لَا تُطْلَقُ فِي فَرَاغٍ، وَلَا تُمَارَسُ خَارِجَ سِيَاقٍ، بَلْ تَنْفَتِحُ دَائِماً عَلَى مَكَانٍ يَحْتَضِنُهَا، وَزَمَانٍ يَمْنَحُهَا إِمْكَانَ التَّشَكُّلِ وَالتَّرَاكُمِ. وَعَلَيْهِ، فَإِنَّ سُؤَالَ القِرَاءَةِ يَتَحَوَّلُ، فِلْسَفِيّاً، مِنْ سُؤَالِ المَهَارَةِ إِلَى سُؤَالِ الظُّهُورِ: كَيْفَ يَظْهَرُ المَعْنَى؟ وَتَحْتَ أَيِّ شُرُوطٍ يُمْكِنُ لِلْقِرَاءَةِ أَنْ تَكُونَ فِعْلاً عَامَّاً، لَا مُجَرَّدَ مُلَامَسَةٍ خَاصَّةٍ لِلنُّصُوصِ؟
إِنَّ التُّرَاثَ العَرَبِيَّ‑الإِسْلَامِيَّ يُقَدِّمُ فِي هَذَا السِّيَاقِ نَمُوذَجاً مُبَكِّراً لِفَهْمِ القِرَاءَةِ كَمُمَارَسَةٍ مُنْدَمِجَةٍ فِي الحَيَاةِ. فَعِنْدَ الجَاحِظِ، لَا تَكْمُنُ المَعْرِفَةُ فِي حِيَازَةِ الكِتَابِ، بَلْ فِي تَدَاوُلِهِ، وَفِي خُرُوجِهِ إِلَى الفَضَاءِ الَّذِي يَسْمَحُ لِلنَّصِّ أَنْ يُنَاقَشَ وَيُخْتَبَرَ. وَعَلَى هَذَا الأَسَاسِ، تَتَحَوَّلُ القِرَاءَةُ إِلَى فِعْلٍ مَكَانِيٍّ، يَتَحَقَّقُ فِي المَجَالِ العَامِّ، وَلَا يَكْتَمِلُ فِي العُزْلَةِ.
وَيُعَمِّقُ أَبُو حَيَّانَ التَّوْحِيدِيُّ هَذَا التَّصَوُّرَ حِينَ يَجْعَلُ المَعْرِفَةَ مَسَاراً لِتَشَكُّلِ الذَّاتِ فِي عِلَاقَتِهَا بِالآخَرِ. فَالقِرَاءَةُ، فِي أُفُقِهِ، لَا تُنْتِجُ مَعْنَاهَا فِي اللَّحْظَةِ، بَلْ فِي الزَّمَانِ، عَبْرَ الحِوَارِ وَالِاخْتِلَافِ وَتَرَاكُمِ التَّجْرِبَةِ. وَهُنَا، تَتَجَلَّى القِرَاءَةُ كَفِعْلٍ زَمَنِيٍّ، لَا يَنْفَصِلُ عَنِ السِّيَاقِ الثَّقَافِيِّ الَّذِي يَحْتَضِنُهُ.
أَمَّا ابْنُ حَزْمٍ الأَنْدَلُسِيُّ، فَيَمْنَحُ القِرَاءَةَ بُعْدَهَا النَّقْدِيَّ وَالأَخْلَاقِيَّ، حِينَ يَرْبِطُهَا بِتَحْرِيرِ العَقْلِ مِنَ التَّقْلِيدِ وَالوَهْمِ. فَالقِرَاءَةُ لَا تَكُونُ حَقِيقِيَّةً إِلَّا إِذَا أَصْبَحَتْ مِحْرَاثاً لِلشَّكِّ، وَأَدَاةً لِبِنَاءِ اليَقِينِ، وَمِجَالاً لِمُسَاءَلَةِ السُّلُطَاتِ المَعْرِفِيَّةِ الزَّائِفَةِ. وَبِهَذَا، تَغْدُو «اِقْرَأْ» فِعْلاً تَحَرُّرِيَّاً، لَا اسْتِهْلَاكِيَّاً.
غَيْرَ أَنَّ هَذَا الفَهْمَ العَمِيقَ لِلْقِرَاءَةِ تَعَرَّضَ، فِي السِّيَاقِ المُعَاصِرِ، إِلَى تَفَكُّكٍ بِنْيَوِيٍّ، وَهُوَ مَا يُمْكِنُ فَهْمُهُ فِي ضَوْءِ نَظَرِيَّةِ مَا بَعْدَ الهَيْمَنَةِ كَمَا يُنَظِّرُ لَهَا الأُسْتَاذُ مُحَمَّدْ عَدْنَانْ بْنْ مِير. فَفِي هَذَا الأُفُقِ، لَا تُمارَسُ السَّيْطَرَةُ عَلَى المَعْرِفَةِ عَبْرَ مَنْعِهَا، بَلْ عَبْرَ إِعَادَةِ تَشْكِيلِ شُرُوطِ ظُهُورِهَا، حَيْثُ يُسْمَحُ بِالقِرَاءَةِ دُونَ أَنْ يُسْمَحَ لَهَا أَنْ تُغَيِّرَ مَوْقِعَ الذَّاتِ مِنَ المَعْنَى.
فَمَا بَعْدَ الهَيْمَنَةِ لَا تُقْصِي الكِتَابَ، وَلَا تُعَادِي النَّصَّ، بَلْ تَفْصِلُهُ عَنِ المَكَانِ الَّذِي يُحَوِّلُهُ إِلَى مَعْنى مُشْتَرَك، وَعَنِ الزَّمَانِ الَّذِي يَجْعَلُ الفَهْمَ مَسَاراً. وَهُنَا، تَتَحَوَّلُ القِرَاءَةُ إِلَى نَشَاطٍ فَرْدِيٍّ سَرِيعٍ، مَنْزُوعِ السِّيَاقِ، خَاضِعٍ لِمَنْطِقِ الأَدَاءِ وَالاسْتِهْلَاكِ، دُونَ أَنْ تَبْدُوَ كَذَلِكَ. إِنَّهَا هَيْمَنَةٌ نَاعِمَةٌ تُجَرِّدُ القِرَاءَةَ مِنْ بُعْدِهَا الوُجُودِيِّ، وَتُحَوِّلُ «اِقْرَأْ» مِنْ نِدَاءٍ إِلَى إِجْرَاءٍ.
وَأَمَامَ هَذَا الوَضْعِ، تُطْرَحُ الإِشْكَالِيَّةُ المَرْكَزِيَّةُ لِهَذَا المَقَالِ: كَيْفَ يُمْكِنُ إِعَادَةُ تَأْسِيسِ فِعْلِ «اِقْرَأْ» كَمُمَارَسَةٍ وُجُودِيَّةٍ وَتَحَرُّرِيَّةٍ فِي ظِلِّ أُفُقِ مَا بَعْدَ الهَيْمَنَةِ؟ وَهَلْ يَتِمُّ ذَلِكَ مِنْ خِلَالِ النَّصِّ ذَاتِهِ، أَمْ مِنْ خِلَالِ اسْتِعَادَةِ شُرُوطِهِ المَكَانِيَّةِ وَالزَّمَنِيَّةِ؟
وَيَنْطَلِقُ المَقَالُ مِنْ فَرَضِيَّةٍ أَسَاسِيَّةٍ مُؤَدَّاهَا أَنَّ أَزْمَةَ القِرَاءَةِ لَيْسَتْ أَزْمَةَ نُصُوصٍ، بَلْ أَزْمَةَ فَضَاءٍ وَزَمَانٍ وَعِلَاقَةٍ بِالمَعْنَى، وَأَنَّ تَفْكِيكَ مَا بَعْدَ الهَيْمَنَةِ يَمُرُّ، جَوْهَرِيِّاً، عَبْرَ اسْتِعَادَةِ القِرَاءَةِ كَفِعْلٍ سِيَادِيٍّ يُعِيدُ لِلإِنْسَانِ حُرِّيَّتَهُ فِي الفَهْمِ، وَيُحَوِّلُ المَعْرِفَةَ مِنْ أَدَاةِ ضَبْطٍ إِلَى مِجَالِ تَشَكُّلٍ وَمُقَاوَمَةٍ.
بقلم: مُحَمد عَدْنَانْ بنْ مِير