
لم تعد الحرب في اليمن حرباً يمنية خالصة، كما لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر مائي تعبره السفن بين آسيا وأوروبا.
فقد تحولت هذه الجغرافيا إلى ساحة تتقاطع فيها اعتبارات الأمن والطاقة، والاقتصاد والسياسة، والجغرافيا والعسكر.
وما يجري اليوم لا يقتصر على كونه تصعيداً بين الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي، بل يعكس إعادة رسم لخريطة النفوذ في واحدة من أكثر المناطق حساسية في العالم.
وسط هذا المشهد، برزت تقارير تحدثت عن اتصالات أجرتها الصين مع جماعة الحوثي للحصول على ضمانات تسمح لناقلاتها النفطية بالمرور الآمن عبر البحر الأحمر، في وقت تواصل فيه الجماعة تهديد سفن أخرى.
وبغض النظر عن مدى صحة هذه التقارير أو ما إذا كانت ستؤكد رسمياً، فإن مجرد تداولها يكشف حقيقة أعمق؛ فالبحر الأحمر لم يعد ساحة للحرب فحسب، بل أصبح أيضاً مساحة للتفاوض والمساومة بين القوى الدولية.
لم يعد السؤال المطروح هو: من يسيطر على صنعاء؟ بل أصبح: من يملك مفاتيح التجارة العالمية، ومن يفرض قواعد المرور في أحد أهم الممرات البحرية في العالم؟
تتعامل بكين مع الشرق الأوسط بمنطق يختلف عن المنظور الغربي، فهي لا تبحث عن قواعد عسكرية جديدة بقدر ما تسعى إلى تأمين الممرات التجارية، ولا تنظر إلى الصراعات الإقليمية باعتبارها فرصة لتوسيع نفوذها العسكري، بل باعتبارها تهديداً مباشراً لمبادرة “الحزام والطريق” ولسلاسل الإمداد التي يقوم عليها الاقتصاد الصيني.
وباعتبارها أكبر مستورد للطاقة من الخليج، فإن أي اضطراب في باب المندب أو البحر الأحمر ينعكس مباشرة على أمنها الاقتصادي وكلفة تجارتها.
لذلك، إذا كانت قد سعت بالفعل إلى الحصول على ضمانات لعبور ناقلاتها، فإن ذلك لا يعني بالضرورة منح الحوثيين شرعية سياسية، بقدر ما يعكس محاولة لحماية مصالحها الاقتصادية وفق نهج براغماتي يقوم على التعامل مع الوقائع كما هي، لا كما ينبغي أن تكون.
غير أن هذه البراغماتية لا تخلو من مخاطر، إذ إن أي تعامل مباشر مع جماعة تفرض سيطرة فعلية على جزء من الساحل اليمني قد يُفهم، حتى وإن لم يكن مقصوداً، باعتباره اعترافاً ضمنياً بقدرتها على فرض قواعد خاصة بالملاحة في ممر دولي.
في المقابل، تنظر الولايات المتحدة إلى البحر الأحمر من زاوية مختلفة، فهو بالنسبة لواشنطن ليس مجرد ممر اقتصادي، بل جزء من النظام الدولي الذي قامت بدور رئيسي في تشكيله وحمايته منذ نهاية الحرب الباردة، وحرية الملاحة ليست مجرد مبدأ قانوني، بل إحدى ركائز النفوذ الأمريكي العالمي.
ومن هذا المنطلق، فإن تحول حركة السفن إلى تفاهمات تعقدها جماعات مسلحة مع بعض الدول من شأنه أن يقوض مبدأ حرية الملاحة ويمنح فاعلين غير حكوميين نفوذاً يتجاوز حدودهم الجغرافية والسياسية.
ولهذا تبدو واشنطن أكثر تشدداً تجاه أي محاولة لتحويل أمن البحر الأحمر إلى ورقة تفاوض، مع استمرارها في الجمع بين الردع العسكري والضغط الاقتصادي، بالتوازي مع إبقاء المجال مفتوحاً أمام حلول سياسية تضمن أمن الملاحة وتحد من التصعيد.
أما إيران، فتتعامل مع المشهد بمنطق مختلف، فهي تدرك أن امتلاك أوراق ضغط خارج حدودها يمنحها هامشاً أوسع في أي مفاوضات مع الغرب، سواء تعلق الأمر بملفها النووي أو بنفوذها الإقليمي.
ومن هذا المنظور، يمثل الحوثيون إحدى أهم أدوات الردع غير المباشر بالنسبة لطهران، إذ يمنحها وجود قوة حليفة قادرة على التأثير في أحد أهم الممرات البحرية في العالم ورقة يصعب تجاهلها في أي معادلة إقليمية أو دولية.
ومع ذلك، لا تبدو إيران معنية بانفجار شامل قد يؤدي إلى خسارة هذه الورقة، ولذلك تبدو استراتيجيتها أقرب إلى إدارة مستوى التصعيد والحفاظ على توازناته، بدلاً من دفع المنطقة إلى مواجهة مفتوحة يصعب التحكم في نتائجها.
أما السعودية، فبعد سنوات من الحرب، تبدو أكثر اهتماماً بإدارة المخاطر ومنع اتساع دائرة الصراع من اهتمامها بتحقيق حسم عسكري تقليدي.
فالأولوية بالنسبة للرياض تتمثل في تأمين حدودها، وحماية صادراتها النفطية، والحفاظ على استقرار البحر الأحمر بما ينسجم مع مشاريعها الاقتصادية الكبرى.
ومن هذا المنطلق، فإن أي ترتيبات من شأنها تخفيف التوتر في البحر الأحمر ستظل محل اهتمام سعودي، غير أن الرياض تدرك في الوقت نفسه أن الاستقرار الدائم لا يمكن أن يقوم على تفاهمات مؤقتة، بل يحتاج إلى تسوية سياسية تفضي إلى قيام دولة يمنية قادرة على احتكار قرار الحرب والسلم وبسط سيادتها على كامل أراضيها.
وفي خضم هذه التفاعلات، يبرز سؤال لا يقل أهمية: أين تقف الحكومة اليمنية؟
إعلانها تطوير قدراتها العسكرية وامتلاكها منظومات للطيران المسيّر يعكس رغبة واضحة في تعزيز موقعها الميداني، لكنه لا يغير حقيقة أن كثيراً من النقاشات الدولية المتعلقة بأمن البحر الأحمر باتت تُدار في أطر تتجاوزها.
وهنا تكمن المعضلة؛ فكلما اتجهت القوى الكبرى إلى معالجة ملفات الملاحة والأمن عبر تفاهمات مباشرة مع القوى المسيطرة على الأرض، تراجعت مركزية الدولة اليمنية في إدارة ملف سيادتها، وهو تحدٍ سياسي لا يقل خطورة عن التحديات العسكرية.
وتشير مجمل التطورات إلى أن الصراع يدخل مرحلة مختلفة، لم يعد الهدف فيها تحقيق انتصار عسكري شامل بقدر ما أصبح إدارة الصراع بما يخدم مصالح كل طرف.
فالصين تريد استمرار حركة التجارة، والولايات المتحدة تسعى إلى حماية النظام البحري الدولي، وإيران تعمل على الحفاظ على أوراق نفوذها، بينما تركز السعودية على تقليل المخاطر الأمنية والاقتصادية.
أما اليمن، فيخشى أن يتحول مرة أخرى إلى ساحة تُدار فيها مصالح الآخرين أكثر مما تُدار فيها مصالح أبنائه.
وقد يرى البعض في التحركات الصينية مؤشراً على عودة الاهتمام بالحلول السياسية، خاصة بعد الدور الذي لعبته بكين في التقارب السعودي الإيراني، إلا أن الظروف الحالية تبدو أكثر تعقيداً.
فالتنافس الأمريكي الصيني تجاوز حدود الشرق الأوسط، والتوترات الإقليمية لا تزال قائمة، كما أن الأزمة اليمنية أصبحت مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأمن الملاحة والطاقة والتوازنات الإقليمية.
لذلك، فإن أي مسار تفاوضي جديد لن تكون فرص نجاحه كبيرة ما لم يربط بين ثلاثة ملفات متداخلة: مستقبل الدولة اليمنية، وأمن البحر الأحمر، ومصالح القوى الإقليمية والدولية.
وربما تكمن مأساة اليمن في أنه لم يختر موقعه الجغرافي، لكنه يدفع ثمنه منذ عقود. فباب المندب ليس مجرد مضيق بحري، بل شريان حيوي تمر عبره نسبة مهمة من تجارة العالم وإمدادات الطاقة، ومن يمتلك القدرة على التأثير فيه يمتلك ورقة نفوذ تتجاوز بكثير حدود اليمن.
ولهذا، لم يعد مستقبل اليمن يُحسم في الجبهات العسكرية وحدها، ولا على طاولات التفاوض المحلية فقط، بل بات يرتبط أيضاً بما يجري في العواصم الكبرى التي تتنافس على رسم ملامح النظام الإقليمي والدولي الجديد.
ويبقى السؤال الذي سيحدد شكل المرحلة المقبلة: هل تنجح القوى الكبرى في تحويل تنافسها إلى توازن يمنع الانفجار، أم يتحول البحر الأحمر إلى مسرح دائم لصراع الإرادات والمصالح؟
الإجابة عن هذا السؤال لن تحدد مستقبل اليمن وحده، بل قد ترسم أيضاً ملامح الأمن البحري العالمي خلال السنوات المقبلة.
فحين تصبح الممرات الدولية رهينة للصراعات الإقليمية، لا تعود الأزمة يمنية فحسب، بل تتحول إلى اختبار لقدرة النظام الدولي على حماية قواعده، أو إلى بداية مرحلة جديدة تُدار فيها التجارة العالمية بمنطق التفاهمات المؤقتة وموازين القوة، أكثر مما تُدار بمنطق القانون الدولي.