رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب:حفل تنظيف مزيف

القصة الوحيدة التي كتبها غابريل ماركيز عن اللصوص هي” لا يوجد لصوص في هذه المدينة” وهي قصة قصيرة نالت شهرة عالمية كبيرة عن الشاب داماسوا وزوجته الفقيرة عندما قرر الشاب أن يسرق كرات البلياردو من نادي القرية وقد اعترف ماركيز ان القصة تستند على حادثة حقيقية.
في هذه القصة يكشف ماركيز عن فساد السلطة و زيف المجتمع حيث السلطة تنشغل في البحث عن السارق لتنظيف نفسها وهي سلطة لصوص في الاساس في حين المجتمع نفسه بفساده الاجتماعي ونفاقه وفقره هو الرحم المنتج للصوص لكنه يعيش حالة انذار بحثاً عن سارق كرات البلياردو وهي دهشة مزيفة لمجتمع يمارس كل أنواع الرذائل التي تشكل منظومة منتجة للفساد واللصوص لكنه يفصل بين فساده وبين وجود لص في نوع من التطهير المنافق.
كلاهما بحاجة الى تنظيف سمعته: النظام الفاسد والمجتمع المشوه والمنافق من خلال حالة التأهب في السلطتين السياسية والاجتماعية كما لو ان ادانة سارق كرات البلياردوا صارت حفل تطهير من ذنوب المدينة ” التي لا لصوص فيها” وهو عنوان ساخر لأنها مدينة اللصوص.
ترى ماذا كان سيكتب غابريل ماركيز وهو يطلع على لصوص العراق اليوم امام هذه الفضيحة المخزية التي تلوح كما لو انها حدث جديد ولد من الفراغ بلا مقدمات ولا رحم منتج لهؤلاء ؟ ومن يحتاج الى تطهير؟ السلطة أم المجتمع؟
البحث عن سارق البلياردو هو البؤرة التي عرى ماركيز بعبقريته السلطتين السياسية والاجتماعية ونفاقهما في القسوة المفرطة في البحث عن سارق كرات البلياردو الذي لن يكون القبض عليه نهاية هذه الجريمة التي حسب ماركيز ليست” انحرافا فردياً” بل نتيجة ” لشروط اجتماعية وسياسية وثقافية”.
البحث اليوم عن الاموال العراقية المسروقة في حفر المجاري والحقول والخرائب وفي الحيطان من خلال الاجهزة الامنية هو بحث عن المال وليس بحثاً عن ” الخلل” الموجود في السلطتين السياسية والاجتماعية.
وجد ما يسمى” اللصوص الكبار” حسب القاموس الجديد فرصة للتطهير من الفساد وباركوا الحملة، رغم ان السرقة في المبدأ لا في كمية المال المسروق ولا وجود لكبار أو صغار بالمعايير الانسانية والاخلاقية والقانونية.
هذا الخبر من جريدة سويدية:” الوزيرة منى سالين (Mona Sahlin) التي استقالت في نوفمبر 1995 من منصبها كنائبة لرئيس وزراء السويد. جاءت استقالتها بعد الكشف عن استخدامها بطاقة دفع حكومية لتغطية نفقات ومشتريات شخصية لا تتجاوز 25 دولاراً، وعُرفت الحادثة إعلامياً حينها باسم “فضيحة توبليرون” نسبةً إلى شوكولاتة كانت من ضمن المشتريات وكانت قد نسيت بطاقتها المصرفية واعادت المبلغ في اليوم نفسه لكن عاملة المتجر ــــــــــــ دور الفرد في الرقابة ـــــــــــــ من بلغ عنها وكانت مرشحة لرئاسة الوزراء”.
العبرة ليست في “كمية” المال بل في “فكرة” التجاوز على المال العام بصرف النظر عن حجم المبلغ لأن الانزلاق يبدأ بخطوة بسيطة ويتراكم ويصبح عادة. مفهوم ” حيتان كبيرة وحيتان صغيرة” من قاموس مشوه ومن انتاج نخب معطوبة فكرياً.
هناك صمت تام عن جذور هذا الفساد من باب التجاهل او عدم ادراك عمق المأزق أو العقل التبسيطي في تحويل قضية ضخمة عن سرقة ثروة حوالي ربع قرن وتحويلها الى قضية جنائية لحفنة أفراد لكي يفلت الجناة الحقيقيين من الجريمة وهما الرحم المولد لهؤلاء اللصوص: السلطة والمجتمع. يمكن العثور على النقود أو تعويضها من ثروة العراق لكن يبقى الرحم المنتج للفساد العام منتجاً لمساوئ وعاهات جديدة:
لا النظام القديم مات بل يحتضر ويتفسخ والنظام الجديد ولد متفسخاً وفي الفاصلة بين احتضار وتفسخ ستولد عاهات مرضية لا مثيل لها في التاريخ.
لكن من أين جاء هؤلاء اللصوص الى المدينة؟ وكيف اخترقوها؟ ولو كانت المصدات قوية والتقاليد راسخة وعميقة والاخلاق صادقة والقوانين صارمة والمجتمع مسيج بقيم رادعة، لما تمكن حثالات في الشكل والزي واللغة والعقلية من اختراقها؟
بجردة حساب بسيطة لو حسبنا عدد الاشخاص الذين سرقوا والذين حفروا وأخفوا الأموال في الحفر والحقول والحيطان ومن نقلها وتستر عليها واستفاد منها من أهل وأقارب وأصدقاء ومعارف وسواق ومن تجاهل عمداً البلاغات عنها والقضاة الذين غلسوا عنها والطبقة السياسية المنتفعة من حصتها والاعلام الانتهازي الذي دافع عنها ومن صمت سنوات، لوجدنا أنفسنا أمام مجتمع شريك وليس ضحية: حلقة اللصوص أوسع بكثير من الأفراد الذين ظهروا في الواجه وكل جريمة تحتاج الى” مناخ وبيئة الجريمة” والسمك لا يسبح في الرمل.
ليست الحجرة قوية، بل الزجاج هش: المجتمع العراقي أكثر مجتمعات العالم قابلية على الاختراق من أي نصاب رغم انه أكثر المجتمعات استعمالاً للمعايير المثالية الحادة بلا تطبيق.
ولا يستعمل هذا المجتمع المعايير المثالية الصارمة إلاّ على الحلقات البعيدة من الناس و”تهويل” الاخطاء الانسانية العادية الناتجة عن تداخل ظروف معقدة، وأما الدائرة القريبة من أهل وأصدقاء وأقارب، فيتم” تهوين” وتبرير جرائمهم وإعفاء من المعايير الأخلاقية الصارمة ولو عاثوا فساداً بشهادة عالم الاجتماع علي الوردي.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى