رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب: السياسة كمصنع للغباء

ـــ “لست بحاجة لحرق الكتب لتدمير الثقافة، فقط امنع الناس من قراءتها.” راي برادبري مؤلف رواية : 451 فهرنهايت، عن حرق الكتب.
لم تعد نظم الحكم بحاجة الى منع او حرق الكتب بل يكفي ان تتولى شريحة من أهل القلم بمهمة منع الناس من قراءتها بالتجاهل او التهميش أو توجيه الانتباه نحو قراءات منتقاة في نوع من التمادح المتبادل.
تغير عالم جورج أورويل في رواية” 1984″ عن عالم تلصصي رقابي وصار ساذجاً اليوم وصار نظام الرقابة عن طريق الهواتف والحشرات الالكترونية والتلفاز بعدسات سرية والحواسيب والبريد الالكتروني، بل حتى عالم رواية” حارس سطح العالم” للكاتبة بثينة العيسى عن رجل الرقابة المستقبلي ــــــــــــــــــــــ حيلة الكاتبة للهروب من الرقيب الحالي ــــــــــــــــــ لم يعد موجوداً.
تغيرت أدوات القمع كما تغيرت مؤسسات الرقابة عندما تحولت الصحف ودور النشر التي يتحكم بها أميون وتجار بلا تقاليد أدبية وثقافية الى ادوات قمع وابتزاز وتتعامل مع الكاتب كصراف نقود ومن تجربة مع دور النشر أن غالبية أصحاب دور النشر علاقتهم سطحية بالأدب ويكلفون كاتباً مقابل مال لقراءة العمل الأدبي.
دهشت يوما عندما قال لي صاحب أكبر دار نشر عربية لبناني في فرع الدار في الدار البيضاء، المغرب ـــــــــــــــــ شارع الحبوس، حرفياً” أنا لا أقرأ الأدب مطلقاً بل أكلف من يقرأ مقابل أتعاب. انا صاحب دكان”.
كنت قبل لحظات من دخول مكتبته قد جهزت نفسي لمقابلة رولان بارت او فوكو وخرجت وقد نسيت الكتب التي جئت للشراء لكن عبارته كانت كتابا مهما عن عالم كنت انظر اليه باحترام متطرف ورهبة كغيري من الذين يعتقدون عن سذاجة او براءة ان عالم دور النشر العربية تديره ملائكة. نسيت أيضا هل دخلت مكتبة دار عربية للنشر تصنع من الجرادة فراشة في ساعات من خلال توظيف جيشا من النقاد الجاهزين للترويج مقابل مال على حساب كل شروط الأدب أم دخلت داراً للبغاء بل أخطر لأنها تزور ضمائر الناس؟.
لكن مهمة المصادرة والتهميش والمنع والتجاهل بدل الحرق صارت مستحيلة اليوم حيث يستطيع القارئ من قارات مختلفة الوصول الى الكتاب الذي يريد بكبسة زر وكذلك يستطيع الكاتب الوصول الى القارئ في اي مكان في العالم بلا وسطاء.
تداعت الحدود القومية ومؤسسات الرقابة وصار القارئ يستطيع قراءة ما يريد دون رأيي النقاد الذين غالباً ما تهيمن عليهم شروط غير أدبية بل سياسية وحتى شخصية. نعيش في فراغ نقدي شنيع ومن يعرف مدارس النقد الحديثة يعرف جيداً هذه العاهة.
المشكلة في وجهها الآخر الكتابة لجمهور مسيس يفسر ويحلل ويقرأ ويعلق ويكتب ويثرد ويحلم بلغة السياسة مع أن لغة السياسة مصممة لجعل الأكاذيب تبدو صادقة والقتل يبدو محترماً بتعبير جورج أورويل. أي عندما نفكر ونحلم ونفسر بلغة السياسة ونفي كل العلوم الأخرى أنما نمارس خداعاً ذاتياً مميتاً والغاء للشخصية وحشوها بالأكاذيب.
الكتابة لجمهور سياسي بلغة الأدب والثقافة والفكر ظاهرة غريبة،
مثل خطبة صلاة الجمعة لجمهور من البوذيين الأسرى أو ولادة تمساح من بقرة، و كحفلة طرب في قداس جنائزي، او بدوي في شاطئ للعراة.
الجمهور السياسي يقرأ كل شيء من منظار سياسي بلا ثقافة، وهو ما رسخته الاحزاب الشمولية في وعي القارئ في ان كل شيء يفسر سياسيا حتى الظواهر العلمية والطبيعية والنفسية ولا علوم اخرى في الحياة غير السياسة بأردأ نسخها.
قارئ سجين خطابات وأوهام عن الحياة ويفسر كل شيء من هذه الزوايا المعطوبة وتختفي كل مناهج التحليل والتفكير والمعرفة فلا علم الاجتماع ولا علم النفس ولا علم التاريخ ولا الفكر ولا الفلسفة ولا حتى الأدب يحضر في التحليل.
السبب يعود الى قرن من الثقافة السياسية الشعاراتية الباهتة التي لقنت أجيالاً على الأوهام وسطحت أجيالاً أخرى،
بحيث يستطيع اليوم تفسير أية ظاهرة إنطلاقاً من ذهنية سياسية للسهولة أو الاستسهال لأن قاموس السياسة جاهز ولا يحتاج الى تفكير و” ثنائية” اللغة السياسية جاهزة أيضاً عن الوطني واللاوطني والثوري واللاثوري والخائن والمناضل والمنحرف والشريف كارشيفات سجلات الامن.
القارئ السياسي يستطيع تفسير كل الظواهر التي تخضع لعلوم كثيرة إنطلاقاً من هذه الذهنية وهذا اغتيال لوعي القارئ عندما نشجعه على هذه القراءة السطحية التي جذّرها فيه ما يسمى” المثقف السياسي” خلال قرن من التبشير والتلقين الذي انتهى مفلسا كدور ولغة وتحولت تنظيراته الى حمامات دم.
أمام جمهور يتحدث بلغة يقينية جازمة قاطعة باترة من ثقافة شفوية لا ترتكز
على أي أساس معرفي بل تغرف من موروثها الشخصي وتعتبره قانوناً
كما لو أن الحياة خلت من علوم ومعايير ومناهج وثقافات كثيرة غير السياسة تكون الكتابة الفكرية والادبية نوعاً من العبث.
لا يمكن صناعة جمهور يهتم بالثقافة والفكر والادب والمعرفة لأن الأمر يتعلق بعوامل كثيرة عامة وفردية، لكن لا يمكن الركون الى تفسيرات هذا الجمهور ولا الارضاء لان ولاء المثقف للحقيقة وحدها ولأن لغة الأدب تتقاطع بل تتناقض مع لغة السياسة،
ولا يمكن قراءة الأدب والفكر والعلم من منظور ثقافة سياسية مبسطة،
لذلك لا تنتج المجتمعات المسيسة مفكرا أو فيلسوفاً إلا في حالات خاصة نادرة، لأن المجتمع، قبل السلطة، من يتولى كبح هؤلاء،
ويفرض عليهم العودة الى السائد والمكرر والقاموس المستهلك.
التفكير الحقيقي لا يُنتج بقاموس كاذب ومخادع لأن العقل ليس الدماغ أو المادة العضوية بل المحتوى الثقافي والفكري واذا كان هذا فارغاً، فلا ينتج غير الضجيج كمطحنة قمح فارغة. من يفكر بلغة الساسة وحدها يمارس أخطر الأوهام والخداع الذاتي ليس لأنه لا يفكر فحسب بل يمضي في الطرق الخاطئة التي قد تكون مصيرية.
النظم والمجتمعات القمعية المغلقة لا تحتاج الى رقيب لمراقبة وعي الجمهور، لأنها زرعت فيهم مفاهيمها وتصوراتها وتفسيراتها ولغتها،
ولن تتحرر من السلطة أبداً، لأنها سلطة ذاتية ورقابة داخلية بكل معنى الكلمة. هناك شريحة لا تحتاج الى رقابة خارجية لان منظومات المنع والردع زرعت فيها وتمارس دورها في الخفاء. لقد تبرمجت مبكرا على القمع الذاتي والصوت الزاجر الداخلي.
المعرفة تتراكم في الحوار الثقافي والفكري بالتطابق او الاختلاف ويتحول القارئ الى كاتب وتتحول الكتابة الى عملية بناء مستمرة وهذا هو تاريخ الثقافة لا تاريخ السياسة. يقول الروائي هيرمان هسه حامل نوبل:
” مقالاتي ليس فيها من السياسة غير جوها العام الذي خلقت فيه، أما من الناحية الأخرى فهي مناقضة للسياسة لانها تقود القارئ الى كيانه الاعمق امام كرسي محاسبة ضميره”.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى