رؤي ومقالات

ميخائيل عوض يكتب : أوتستراد التحرير والتغيير : غزة ، الضفة والجولان !!

أوتستراد التحرير والتغيير : غزة؛ الضفة والجولان !!

ميخائيل عوض  / لبنان

*أولا”: من تعدد الجبهات إلى وحدة المسار*
ينطلق الطرح من فرضية مركزية مفادها أن ما يجري في المنطقة لم يعد مجموعة أزمات منفصلة، بل تحوّل إلى مسار واحد متصل تتقاطع فيه الجبهات من غزة إلى الضفة فالجولان، وصولاً إلى لبنان والأردن. هذه الرؤية تعيد تعريف الجغرافيا السياسية باعتبارها “أوتوستراد اشتباك”، حيث لم تعد الحدود عازلاً بل جسراً لنقل التأثيرات والتوازنات.
في هذا السياق، لا يُقرأ التصعيد كأحداث متفرقة، بل كحلقات ضمن عملية تراكمية تقود إلى لحظة تحوّل نوعي.

*ثانيًا: قانون التراكم والانفجار: من الكم إلى النوع*
يرتكز طرحنا على فكرة نوعية في التحليل الاستراتيجي:
أن التراكمات الكمية (معاناة، حصار، مقاومة، خبرات قتالية) تتحول في لحظة معينة إلى تحوّل نوعي (انفجار، انتفاضة، تغيير جذري).
وفق هذا المنظور الحروب الطويلة التي عاشتها المنطقة ليست فشلاً بل مخاض ولادة عالم جديد، والاستنزاف ليس ضعفاً بل إعادة تشكيل للقوة،
والفوضى ليست نهاية بل مرحلة انتقالية.
وهنا يتم تقديم “الانفراج” ليس كحدث مفاجئ، بل كنتيجة حتمية لمسار طويل من التراكم.

*ثالثًا: غزة والضفة: من الاحتواء إلى القابلية للانفجار*
يرى الطرح أن البيئة في الضفة الغربية باتت تشبه – أو في طريقها لتشبه – ما كانت عليه بيئات مقاومة أخرى قبل الانفجار كالجبهة اللبنانية؛  وانتشار أدوات قتال منخفضة الكلفة (مسيرات، عبوات) ، صعوبة السيطرة الأمنية الكاملة
وحالة كمون شعبي قابل للتحول.
المفارقة التي نطرحها : أن الأدوات البسيطة (مثل المسيرات البدائية) أصبحت قادرة على خلق توازن ردع، وهو ما يشكل مصدر قلق استراتيجي لإسرائيل، لأن:
التكنولوجيا التي تصنع النصر لم تعد حكراً على الجيوش النظامية.

*رابعًا: الجولان وجنوب سوريا: الفراغ كفرصة*
يُقدَّم الجنوب السوري كنموذج “الفراغ الأمني المنتج للفوضى”:
حيث تعدد سلطات الأمر الواقع
وضعف السيطرة المركزية
مع تدخلات إقليمية متشابكة
هذا الفراغ يُفسَّر بطريقتين:
كأداة لإعادة تشكيل المنطقة
أو كبيئة خصبة لنمو مقاومات غير تقليدية
وهنا يظهر التناقض: الفوضى التي يُراد منها الضبط، قد تتحول إلى مصدر تهديد مضاعف.

*خامسًا: أوتوستراد التغيير والتحرير: من مصانع الجنوب السوري إلى اشتعال الضفة عبر غزة والجولان*

نركّز طرحنا على بناء ثلاثية جيوسياسية–ميدانية (الضفة، غزة، الجولان) بوصفها جسماً واحداً لا ثلاثة مسارح منفصلة، ويصوغها تحت مفهوم “أوتستراد التحرير والتغيير”؛ أي ممر تفاعلي تتنقّل عبره الخبرات والوسائط والرسائل الردعية بسرعة أعلى من قدرة الخصوم على الاحتواء. في هذا التصور، تتحول غزة من بؤرة حصار إلى مختبر إنتاج أدوات قتال منخفضة الكلفة، وتغدو الضفة مساحة كمون قابلة للاشتعال لحظة توافر الوسائط، بينما يقدَّم الجولان وجنوب سوريا كحلقة وصل رخوة تسمح بتسرّب المعرفة والسلاح وتشكّل عمقاً لوجستياً غير تقليدي. ما يربط هذه الدوائر ليس فقط القرب الجغرافي، بل “اقتصاد القتال” القائم على تبسيط التكنولوجيا (مسيرات بدائية، عبوات موجهة) بحيث تنتقل من حكر الجيوش إلى متناول الشبكات المحلية، فتتكوّن بيئة ردع موزّع لا مركزي. ضمن هذا الإطار، نقرأ  حادثة استهداف الجيش الأردني لمواقع في الجنوب السوري—المعلنة كحملة على مصانع المخدرات—كجزء من صراع أعمق على طبيعة هذا الممر: هل يُترك ليتحوّل إلى قناة تغذية لقدرات يمكن أن تتسرّب نحو الضفة، أم يُضبط مبكراً عبر ضربات وقائية؟ القراءة التي نقدّمها تميل إلى أن الدافع الفعلي يتجاوز رواية “مكافحة التهريب”، ليلامس هاجساً إسرائيلياً متصاعداً من انتقال قدرات تصنيع المسيرات والعبوات إلى بيئة الضفة، حيث يصعب على السيطرة الأمنية التقليدية احتواء تهديدات صغيرة الكلفة عالية الأثر. هكذا تصبح الضربة الأردنية، في هذا المنظور، إجراءً ضمنيّاً لإغلاق عقدة وصل في “الأوتوستراد” قبل أن تكتمل حلقاته، فيما يظل السؤال مفتوحاً حول قدرة أي طرف على تعطيل مسار يقوم أساساً على اللامركزية والانتشار الأفقي للخبرة.

الخلاصة ..  أن تماسك هذه الثلاثية—إن اكتمل—يعيد تعريف ميزان القوة من تفوق تقني مركزي إلى شبكة مرنة تتكاثر أدواتها كلما اشتد الضغط عليها، ما يجعل أي محاولة للفصل بين الجبهات إجراءً مؤقتاً لا يوقف دينامية التحول بقدر ما يؤجلها.

*سادسًا: لبنان: مختبر المفاجأة الصاعقة وكسر وهم التفوق*

في مقاربتنا، يتحول لبنان من ساحة تقليدية للصراع إلى “مختبر حي” يختبر حدود القوة الحديثة نفسها. الصورة التي سبقت أحداث الحرب الأخيرة والتي استمرت لأكثر من 15 شهرا كانت توحي ببيئة مكشوفة: اختراقات استخباراتية واسعة، تفوق تقني لدى الخصم، قدرة على الرصد والاستهداف، وساحة يُعتقد أنها تحت السيطرة شبه الكاملة. لكن ما جرى كشف فجوة عميقة بين الحقيقة الاستراتيجية والتقدير الإسرائيلي خاصة مع “امتلاك التفوق” و“القدرة على حسم النتائج” الذي أظهرته المقاومة في الجنوب ما شكل حالة صدمة ورعب عند الإسرائيلي. فالمفاجأة لم تأتِ من سلاح خارق، بل من طريقة توظيف ما هو متاح: تنظيم مرن، إخفاء ذكي، توزيع غير مركزي للقدرات، وإدارة إيقاع الاشتباك بما يربك منظومات القرار لدى الخصم.

الدرس الاستراتيجي الذي نلفت هو أن التفوق التقني، مهما بلغ، يظل محدود الفعالية إذا واجه بيئة قادرة على امتصاص الضربات وإعادة إنتاج قوتها. في لبنان، لم تعمل الضربات كـ“قاصمة”، بل كعامل تسريع لعملية تكيّف ميداني؛ إذ تتحول كل ضربة إلى فرصة لتطوير أساليب جديدة، وإعادة انتشار، وبناء طبقات إضافية من الحماية والخداع. بهذا المعنى، تنتقل المعركة من كونها مواجهة بين جيشين إلى صراع بين “نظام صلب” يعتمد على التفوق التكنولوجي، و“نظام مرن ” عاد ليعمل بأساليب حرب المقاومات الشعبية يتغذى من اللامركزية والقدرة على التعلم السريع.

كما يبرز عنصر الزمن كعامل حاسم: فكلما طال أمد الصراع، تقلصت ميزة التفوق التقني لصالح من يمتلك نفساً أطول وقدرة أعلى على التكيّف. هنا تظهر “المفاجأة الصاعقة” ليس كحدث لحظي، بل كنتيجة تراكمية لسلسلة من التحولات الصغيرة التي لا تُرى فوراً، لكنها تنفجر في لحظة معينة لتعيد رسم صورة الميدان. لذلك، نؤكد  أن البيئات التي تبدو مستنزفة أو مكشوفة قد تكون في الواقع تخزّن قدرات كامنة، تنتظر اللحظة المناسبة لتتحول إلى فعل مؤثر يخلخل حسابات الخصم. وهنا يعطف بالتحليل على واقع الضفة التي يراها تعيش كمون يمكن أن يكون مشابه لحالة حزب الله في لبنان.

الخلاصة في هذا المحور أن لبنان يقدّم نموذجاً يطعن في المسلّمات: السيطرة المعلوماتية لا تعني السيطرة الميدانية، وكثافة النيران لا تضمن الحسم، بينما الإرادة والتنظيم والمرونة قد تنتج “مفاجآت” تعيد تعريف ميزان القوة نفسه.

*سابعًا: الأردن: من هامش المراقبة إلى عقدة الفعل في مسرح التحولات*

في قراءتنا، لا يُفهم التحرك العسكري الأردني  بوصفه إجراءً أمنياً تقنياً معزولاً، بل كتحوّل في الموقع والدور داخل معادلة إقليمية آخذة في التشكل. فالأردن، الذي تموضع طويلاً في خانة “الضابط الحدودي” الحذر، بدأ ينتقل إلى دور أكثر فاعلية يتجاوز المراقبة إلى التدخل المباشر في تشكيل بيئة الجنوب السوري. الضربات التي نُفّذت في الجنوب السوري تحت عنوان مكافحة التهريب تُقرأ هنا كواجهة لاعتبارات أعمق تخوف إسرائيلي وأمريكي من صعود حركة مقاومة شعبية فجاء هذا التصعيد للسلطة في الأردن بهدف منع تشكّل بنى تحتية قتالية غير تقليدية (مثل ورش التصنيع المرتبطة بالمسيرات والعبوات) في فضاء رخوة يصعب ضبطه، لما قد يحمله ذلك من ارتدادات على الضفة الغربية وهو ما يشكل حالة السعار الإسرائيلي وفق تعبير عوض.

بهذا المعنى، يتحول الشريط الحدودي من خط فصل إلى “منطقة إدارة نشطة”؛ أي مجال يتطلب عملاً وقائياً مستمراً لضبط التدفقات—ليس  المخدرات وفق المزعوم، بل أيضاً المعرفة والوسائط القتالية التي يمكن أن تنتقل أفقياً عبر الشبكات المحلية. ونضع  هذا التحول ضمن سياق أوسع من إعادة توزيع الأدوار الإقليمية، حيث تُدفع بعض الدول إلى تولي مهام ميدانية محددة لضبط مسارح رخوة ومنع تحوّلها إلى عقد وصل في شبكة اشتباك أوسع خدمة للمشروع الصهيو أمريكي. ونؤكد في السياق نفسه على عروبة وأصالة العشائر الأردنية التي كان لها تاريخيا موقفا مشهودا في النضال والمقاومة؛ ما يعني أن تحرك هذه النخب الشعبية سيشكل تغيير حدي في مسار الصراع.

غير أن هذا الانخراط يفتح سؤالاً استراتيجياً يتجاوز اللحظة: هل سيبقى الدور الأردني محصوراً في وظيفة أمنية دفاعية (احتواء، وقاية، منع تسرب)، أم أنه قد يتطور—تحت ضغط الوقائع—إلى مساهمة أعمق في إعادة هندسة المشهد الإقليمي؟  نحن نميل إلى أن منطق الميدان نفسه هو الذي يفرض التدرّج: فكلما ازداد ترابط الساحات، تضاءلت قدرة أي طرف على الاكتفاء بالحياد، وتحوّل “التدخل المحدود” إلى بوابة لانخراط أوسع، سواء عبر توسيع نطاق العمليات أو عبر الاندماج في ترتيبات أمنية–سياسية أشمل.

في الخلاصة، يقدّم هذا المحور الأردن كـ“عقدة ضبط” في شبكة تتسع، حيث يصبح القرار الأمني اليومي جزءاً من معادلة استراتيجية أكبر: كبح تشكّل مسارات تهديد جديدة من جهة، وموازنة كلفة الانخراط المتزايد من جهة أخرى، في بيئة تتآكل فيها الحدود الفاصلة بين الأمني والسياسي، وبين المحلي والإقليمي.

*ثامنا”: إسرائيل: مأزق القوة بين الاستمرار والانكفاء — من فائض القدرة إلى عجز الحسم*

في مقاربتنا ، تدخل إسرائيل طوراً من “التناقض البنيوي” في استخدام القوة، حيث يتحول التفوق العسكري من أداة حسم إلى عبء إدارة. فالمشهد لا يُقرأ كتعثر تكتيكي عابر، بل كمأزق استراتيجي مزدوج: الاستمرار في الحرب يراكم كلفة الاستنزاف بشرياً واقتصادياً ونفسياً، ويُبقي الجبهة الداخلية تحت ضغط دائم؛ فيما الانسحاب يترجم سياسياً وإقليمياً بوصفه هزيمة تُقوّض صورة الردع. هذه هي “معضلة اللاخيار” التي تُقيّد صانع القرار وتدفعه إلى مسار ثالث ملتبس: الإبقاء على وتيرة عمليات عالية بلا أفق حاسم.

ضمن هذا الإطار، نعيد توصيف نمط العمليات الجارية بوصفها انتقالاً من “الضربة القاصمة” إلى “التطبيش”؛ أي ضربات كثيفة ومستمرة هدفها إدارة الميدان لا إنهاؤه. النتيجة أن الأهداف المعلنة تتآكل تدريجياً مع اتساع الفجوة بين ما يُعلن وما يتحقق، بينما تتآكل معها وظيفة الردع نفسها: إذ إن كثافة النيران لا تُترجم إلى استقرار، بل إلى دورة تغذية عكسية تعيد إنتاج التهديد بأشكال أكثر مرونة وانتشاراً. وهنا تظهر المفارقة التي نشدد عليها : كلما ارتفع منسوب القوة المستخدمة، تضاءلت قدرتها على إنتاج حسم نهائي في بيئات لا مركزية.

ويضيف التحليل بعداً بنيوياً آخر يتمثل في تغيّر طبيعة الخصم وبيئة القتال. فالمواجهة لم تعد مع تشكيلات تقليدية يمكن تفكيكها بضربة مركّزة، بل مع شبكات متكيفة تتوزع أفقياً، تستفيد من بساطة الوسائط (مسيرات، عبوات) ومن سرعة التعلم الميداني. هذا التحول يُفقد التفوق التقني جزءاً من فعاليته، لأن مركز الثقل ينتقل من “امتلاك التكنولوجيا” إلى “القدرة على توظيفها بمرونة”، ومن السيطرة على الأرض إلى السيطرة على الإيقاع والزمن. ومع إطالة أمد الصراع، يميل الميزان لمصلحة من يمتلك نفساً أطول وقدرة أعلى على الامتصاص وإعادة التشكّل.

سياسياً، ينعكس المأزق على بنية القرار نفسها: تضييق هامش المناورة بين ضغوط داخلية تطالب بالإنجاز وبين قيود خارجية تحدّ من التصعيد الشامل، ما يدفع نحو حلول وسطية تُبقي العمليات دائرة دون حسم. هذا الوضع يُنتج “استراتيجية إدارة أزمة دائمة” بدل استراتيجية إنهاء، ويحوّل كل جولة إلى محطة ضمن مسار مفتوح. وفي الوقت ذاته، تتأثر صورة الردع الإقليمي، إذ إن العجز عن ترجمة التفوق إلى نتائج قاطعة يبعث برسائل مختلطة للخصوم والحلفاء على حد سواء.

وبالمحصلة  إن إسرائيل انتقلت من مرحلة “فائض القدرة” إلى “عجز الحسم”: قوة كبيرة تُستخدم بكثافة، لكنها محكومة بسقف سياسي–عملياتي يمنعها من إنهاء الصراع، فيما البيئة المقابلة تعيد إنتاج نفسها كلما تعرّضت للضغط. وهكذا يصبح الاستمرار خياراً مكلفاً، والانسحاب خياراً مؤلماً، وبينهما تتكرّس حالة بينية تُدار فيها الحرب أكثر مما تُحسم.

*تاسعا”: الولايات المتحدة: من الهيمنة إلى إعادة التموضع — انكفاء اضطراري أم إعادة هندسة للسيطرة؟*

في قراءتنا ، لا تُفهم خطوات تقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا وآسيا كإجراء إداري أو مالي فحسب، بل كإشارة على تحوّل أعمق في بنية الدور الأمريكي عالمياً. فواشنطن، التي بنت نموذج هيمنتها على الانتشار العسكري الواسع وإدارة التحالفات عبر المظلة الأمنية، تبدو—وفق هذا الطرح—أمام حدود قدرتها على الاستمرار في هذا النمط. هنا يبرز عاملان متلازمان: تآكل القدرة على ضبط الحلفاء ضمن منظومة واحدة متماسكة، وارتفاع كلفة الانتشار مقارنة بالعائد الاستراتيجي، في ظل تعدد بؤر الاستنزاف وتبدل طبيعة التهديدات.

ضمن هذا السياق، يُقرأ سحب أو تقليص القوات كجزء من إعادة توزيع الموارد نحو أولويات جديدة، لا سيما في مسارح تعتبرها واشنطن أكثر حساسية لمستقبل التوازن الدولي. لكن  نذهب أبعد من التفسير التقني، لنطرح جدلية مزدوجة: هل نحن أمام انسحاب اضطراري فرضته حدود القوة، أم أمام إعادة تموضع تكتيكي يهدف إلى الحفاظ على النفوذ بأدوات أقل كلفة وأكثر مرونة؟ الإجابة، في هذا الطرح، ليست حاسمة، بل تقع في منطقة رمادية حيث يتداخل الإكراه مع الاختيار.

فالانسحاب، من زاوية، يعكس عجزاً نسبياً عن مواصلة نمط “الانتشار الشامل” الذي ميّز مرحلة ما بعد الحرب الباردة، ويكشف عن صعوبة إدارة تحالفات متباينة المصالح في بيئة دولية أكثر تنافسية. لكنه، من زاوية أخرى، قد يكون محاولة لإعادة تعريف الهيمنة نفسها: الانتقال من السيطرة المباشرة عبر القواعد العسكرية إلى أشكال غير مباشرة من النفوذ، تقوم على الشراكات الانتقائية، والأدوات الاقتصادية، والقدرة على التدخل السريع عند الحاجة دون التورط في تموضع دائم.

ونشير إلى أن هذا التحول ينعكس أيضاً على الحلفاء، الذين يجدون أنفسهم أمام معادلة جديدة: مزيد من الاعتماد على الذات في الأمن والدفاع، مقابل تراجع الضمانات الأمريكية التقليدية. هذا بدوره يفتح الباب أمام إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية، حيث قد تسعى دول إلى ملء الفراغ أو إعادة تموضعها ضمن ترتيبات جديدة، ما يسرّع من تفكك نموذج “الأحادية القطبية” دون أن يقدّم بديلاً مستقراً بعد.

في المحصلة، يقدم هذا المحور الولايات المتحدة كقوة تعيد صياغة دورها تحت ضغط التحولات: ليست في حالة انسحاب كامل، ولا في موقع الهيمنة المطلقة كما في السابق، بل في مرحلة انتقالية تحاول فيها موازنة الكلفة مع النفوذ. وبين الانكفاء وإعادة التموضع، يتشكل نمط جديد من الحضور الأمريكي—أقل ظهوراً عسكرياً، لكنه لا يزال فاعلاً في توجيه مسارات الصراع وإعادة ترتيب النظام الدولي.

*عاشرا”: أوروبا بين الانسحاب والتحرّر: قراءة معكوسة لمعنى تقليص الوجود الأمريكي*

في طرحنا، يُعاد قلب زاوية النظر جذرياً: ما يُقدَّم في الخطاب التقليدي كـ“تراجع مقلق” للوجود الأمريكي في أوروبا—ومن ضمنه سحب خمسة آلاف من جنود أمريكا من ألمانيا—يُقرأ كخطوة تحمل وجهاً آخر أقرب إلى “تفكيك علاقة الاعتماد” أكثر من كونه فراغاً أمنياً. الفكرة المحورية هنا أن الانتشار العسكري طويل الأمد لا يوفّر حماية فقط، بل يُنشئ أيضاً نمطاً من الاعتمادية المؤسسية والسياسية يحدّ من استقلال القرار. وعليه، فإن تقليص هذا الوجود يمكن أن يُفهم  كبداية انتقال من نموذج “الأمن بالوكالة” إلى نموذج “الأمن بالمسؤولية الذاتية”، حيث تُعاد موضعة مركز القرار داخل الدول الأوروبية نفسها بدل بقائه مرتبطاً بمظلّة خارجية.

بهذا المعنى، لا يُختزل الأمر في عدد الجنود المنسحبين، بل في الأثر البنيوي: دفع أوروبا—وألمانيا تحديداً—إلى إعادة تعريف أولوياتها الدفاعية، وتطوير صناعاتها وقدراتها، وبناء آليات قرار أقل ارتهاناً.

هذه القراءة ترى أن ما يُفهم كـ“فراغ” قد يكون في الواقع مساحة تُستعاد فيها القدرة على المبادرة، وأن الكلفة قصيرة المدى لإعادة التكيّف تقابلها مكاسب محتملة على صعيد السيادة طويلة المدى.  نرى في هذا الإجراء تحرير لألمانيا من احتلال القواعد العسكرية الالمانية.

وفي المقابل، لا تنفي المقاربة وجود مخاطر حقيقية: انتقال غير مُدار قد يخلق فجوات ردع مؤقتة، ويضع الحلفاء أمام تحديات تنسيق وتمويل وتسليح.

وفق هذا المنظور  إن التحوّل الجاري ليس انسحاباً بسيطاً ولا “تحريراً” كاملاً بحد ذاته، بل إعادة ترتيب لعلاقة معقّدة بين الحماية والاستقلال. نجاح هذه المرحلة يتوقف على قدرة الدول الأوروبية على ملء المساحة التي فُتحت أمامها: إن أحسنت استثمارها تحوّلت إلى رافعة سيادية، وإن أخفقت بقيت مجرّد انتقال في الشكل دون تغيير جوهري في مضمون الاعتماد.

*الحادي عشر: إيران: عقدة التحوّل بين الردع والانفجار — من حافة التصعيد إلى لعبة المهل الزمنية*

لا تُقرأ إيران كساحة ضمن خرائط الاشتباك فحسب، بل كـ“مفصل حاسم” تتقاطع عنده مسارات الإقليم بأكمله. أي تصعيد كبير معها لن يكون مواجهة محدودة يمكن احتواؤها، بل حدثاً مُفجِّراً يعيد ترتيب موازين القوى من الخليج إلى شرق المتوسط، ويُطلق تفاعلات تتجاوز قدرة الأطراف على الضبط. لذلك، تُصاغ المعادلة هنا على قاعدة أن كلفة الحرب مع إيران لا تُقاس بحجم الضربة، بل بمدى الارتدادات التي ستطال أسواق الطاقة، وحركة الملاحة، وبنية التحالفات، وحتى الاستقرار الداخلي في عدد من الدول.

ضمن هذا الإطار، نطرح سيناريو ملتبساً حول الإعلانات السياسية الصادرة من واشنطن بشأن “إنهاء” الحرب. فهذه الإعلانات—بحسب القراءة—قد لا تعبّر بالضرورة عن إغلاق فعلي لملف المواجهة، بقدر ما يمكن أن تكون إعادة ضبط إجرائية للساعة السياسية، تتيح للسلطة الترمبية هامش حركة جديداً دون كلفة فورية. الفكرة ليست في تأكيد نية محددة، بل في لفت الانتباه إلى كيفية استخدام الإيقاع الزمني والتصريحات العامة لإعادة تموضع القرار التي يتبعها ترمب السمسار القرصان: تهدئة معلنة تخفف الضغط الداخلي والدولي، يقابلها إبقاء أدوات الضغط والتصعيد جاهزة في الميدان.

ويضيف الطرح أن أي مسار من هذا النوع—إذا تحقق—قد يأخذ شكل “تصعيد مضبوط” أو اختبارات قوة عبر ساحات غير مباشرة، بهدف دفع طهران إلى ردّ يمكن البناء عليه سياسياً. هنا تتحول دينامية الأزمة إلى لعبة توازن دقيقة: كل طرف يحاول تحسين موقعه دون الانزلاق إلى مواجهة شاملة، لكن هامش الخطأ يبقى ضيقاً، وأي تقدير خاطئ قد يفتح الباب أمام انفجار يتجاوز النيات الأولية.

في المحصلة، فإن هذا المحور كتحذير من قراءة خطية للمشهد: إعلان التهدئة لا يعني نهاية المسار، كما أن التصعيد لا يعني حتمية الحرب الشاملة. إيران تبقى عقدة التحوّل؛ أي تحريك كبير حولها يعيد رسم اللوحة بكاملها، فيما تستمر الأطراف في إدارة حافة الهاوية بين الردع والانفجار، مستفيدة من الوقت والتصريحات والإجراءات المرحلية لإعادة تشكيل شروط المواجهة دون حسمها.

*الثاني عشر: اقتصاد الصراع: من  أوبك إلى قرصنة الدول*

لم يعد الاقتصاد ساحة موازية للصراع، بل تحوّل إلى أداته الأكثر فاعلية وامتداداً. فالإطار التقليدي الذي حكم أسواق الطاقة—القائم على التنسيق داخل أوبك وإدارة العرض بما يحفظ توازناً نسبياً—يتعرض لتآكل متدرّج تحت ضغط التنافس الجيوسياسي وتضارب أولويات الدول المنتجة خاصة مع إعلان الإمارات انسحابها من الأوبك والأوبك بلس، إضافة إلى التصدعات داخل المنظومة لا تُفهم كخلافات تقنية حول حصص الإنتاج فحسب، بل كإشارات على انتقال مركز الثقل من “تنظيم السوق” إلى “قرصنة الموارد” كما يريدها ترمب، حيث يصبح النفط والغاز أدوات ضغط ومقايضة في معادلات النفوذ.

ضمن هذا التحول، نلفت إلى بروز أنماط جديدة للسيطرة لا تمر عبر المؤسسات التقليدية، بل عبر أدوات غير مباشرة: حصارات مالية وتجارية، تقييد سلاسل الإمداد، التحكم بالممرات البحرية، وتوظيف الفاعلين الوسيطين لفرض وقائع على الأرض. هنا يتقدم ما يسميه “اقتصاد القوة الخشنة”، حيث لا تُحسم المعادلات عبر العرض والطلب وحدهما، بل عبر القدرة على التعطيل والمنع وفرض الكلفة على الخصم. بهذا المعنى، تتحول الجغرافيا—مضائق، موانئ، خطوط نقل—إلى أوراق ضغط موازية للحقول والآبار، وتصبح السيطرة على التدفقات أهم أحياناً من امتلاك الموارد ذاتها.

كما يشير الطرح إلى أن هذا النمط يفتح الباب أمام أشكال من “اللامركزية الاقتصادية”، حيث لم تعد الدول وحدها اللاعب الحاسم، بل تشاركها شبكات وشركات وكيانات قادرة على التأثير في حركة السلع والتمويل. هذا التداخل يعقّد مشهد الحوكمة الاقتصادية ويجعل قواعد اللعبة أقل شفافية وأكثر عرضة للاستخدام السياسي. وفي ظل هذا الواقع، تتراجع قابلية التنبؤ بالأسواق، وتزداد تقلبات الأسعار، لأن القرارات لم تعد تُبنى على مؤشرات اقتصادية صرفة، بل على حسابات أمنية واستراتيجية.

في ظل ما استراتيجية اقتصاد القرصنة الذي أعلنه ترامب  فإن العالم ينتقل من اقتصاد منظّم نسبياً إلى اقتصاد مُسَيَّس ومؤدلج بالصراع، حيث تتقدّم أدوات الإكراه على آليات التوافق، وتُعاد صياغة العلاقات الاقتصادية على قاعدة الغلبة لا الشراكة. وفي هذا السياق، يصبح السؤال المركزي ليس فقط من يملك الموارد، بل من يملك القدرة على التحكم بمساراتها وحرمان الآخرين منها—وهنا تتجلى طبيعة المرحلة كمرحلة “اقتصاد صراعات” بامتياز.

“أوتستراد للتحرير والتغيير” الذي يربط غزة بالضفة فالجولان ولبنان هو مشهد الغد، حيث تتداخل الجبهات في مسار اشتباك واحد تتنقل فيه الأدوات والخبرات بسرعة تفوق القدرة على الاحتواء. في هذا المسار، يتراجع التفوق العسكري التقليدي أمام بيئات مرنة قادرة على إعادة إنتاج القوة تحت الضغط، حيث إسرائيل دخلت مأزق الاستنزاف دون حسم، بينما تعيد الولايات المتحدة تموضعها مع تآكل نموذج الهيمنة المباشرة.

بالتوازي، يتحول الاقتصاد والممرات إلى ساحات صراع موازية بين ضبط القانون وسطوة القرصان، وتبقى إيران عقدة التحول الكبرى التي قد يفتح أي تصعيد حولها انفجاراً إقليمياً واسعاً. النتيجة: صراع مفتوح طويل الأمد، يتقدم عبر التراكم لا الضربة الحاسمة، ويعيد تشكيل الإقليم على إيقاع “أوتستراد” متصل لا يعرف التوقف.
إيران لا تراجع عن تحرير مضيق هرمز! إغلاق باب المندب قادم؟

🖊 ميخائيل عوض

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى