
قصة قصيرة
كان “محمود” شابًا في مقتبل العمر،
تشققت يداه من الزيوت والحديد،
واعتادت ثيابه رائحة الورش وصوت المفاتيح الثقيلة وهي ترتطم بالمحركات العاطلة.
يعمل ميكانيكي سيارات منذ أن توفي والده فجأة،
فوجد نفسه رجل البيت الوحيد،
يعول أمًّا أنهكها المرض وثلاث أخوات في مراحل تعليمية مختلفة،
إحداهن كانت تدرس بكلية الطب،
وكان يرى في عينيها حلمًا أكبر من قدرة جيبه الفقير.
كان يعمل ليل نهار،
حتى صار التعب جزءًا من ملامحه.
لكن الحياة لم تكن ترحم،
فكلما أغلق باب مصروف،
فُتح أمامه باب آخر أشد قسوة.
وفي ليلة قمرية خانقة،
عاد من الورشة محطم الجسد،
وتمدّد على الكنبة القديمة الموضوعة أمام البيت.
رفع عينيه إلى السماء،
لكنّه لم يكن ينظر إلى القمر بقدر ما كان يخاطب الله بصمتٍ موجوع:
“يارب… إلى متى؟
كيف أستطيع أن أحمل كل هذا وحدي؟”
ظل ساكنًا للحظات،
ثم أخرج هاتفه المحمول كمن يهرب من واقعه.
فتح صفحته على الفيسبوك،
وأخذ يتنقل بين الوجوه والكلمات،
حتى توقفت عيناه عند صورة فتاة جميلة متحجبة،
هادئة الملامح،
وفي عينيها شيء من الوقار.
دخل إلى صفحتها.
اسمها “نادية”.
مهندسة إلكترونيات، وتقيم في إحدى دول الخليج.
ابتسم محمود بمرارة وهو ينظر إلى صفحته الشخصية،
حيث كتب منذ سنوات: “مهندس ميكانيكا”.
لم يكن مهندسًا حقيقيًا،
لكن أهل الحي كانوا يطلقون على الميكانيكي “باشمهندس”،
فأعجبته الكلمة،
وربما أحب أن يهرب بها قليلًا من قسوة صورته الحقيقية.
تردد لحظة،
ثم أرسل لها طلب صداقة.
وقبلته.
كانت تلك البداية.
تحولت الرسائل القصيرة إلى أحاديث طويلة،
والأيام إلى انتظار مشتعل.
كانت تخبره أنها تعيش في فيلا كبيرة تشبه القصور،
وأن والدها ترك لها ثروة ضخمة،
وكان هو يستمع إليها كغريق وجد فجأة شاطئ النجاة.
شيئًا فشيئًا،
تعلق قلبه بها،
ورأى فيها معجزة أرسلها الله ردًّا على دعواته القديمة.
صار يحلم بأمه وهي مرتاحة،
وبأخواته يكملن تعليمهن دون خوف من المصاريف،
وبنفسه خارج الورشة،
بعيدًا عن رائحة الزيوت والديون.
وحين طلب منها الزواج،
ترددت.
كان ترددها يشعل خوفه ولهفته معًا،
فظل يلح عليها حتى وافقت،
لكن بشرط واحد:
— لازم تيجي وتشوفني بنفسك.
وافق فورًا،
وكأن الدنيا كلها فُتحت أمامه.
بدأ يجمع المال بصعوبة.
ذهب إلى زبائنه يطالبهم بما تبقى لهم من حسابات قديمة،
عمل ساعات إضافية،
باع أشياء تخصه،
حتى استطاع بالكاد تدبير ثمن السفر.
وفي الطائرة،
لم يعرف النوم طريقًا إلى عينيه.
كان غارقًا في أحلام اليقظة؛
كيف سيكون اللقاء؟
كيف سيصافحها؟
كيف سيدخل تلك الفيلا المطلة على البحر؟
حتى قطع صوت المضيفة شروده:
— حمدلله على السلامة.
ابتسم وهو يفتح هاتفه بسرعة،
فوجد رسالة منها:
“تعال إلى هذا العنوان.”
خرج من المطار مسرعًا،
وأوقف سيارة أجرة،
ثم أعطى السائق الهاتف ليرى العنوان.
تغير وجه السائق فجأة،
وقال مترددًا:
— المكان بعيد جدًا… والطريق غريب شوية.
ابتسم محمود بثقة المنتصر:
— ولا يهمك… المهم أوصل.
انطلقت السيارة.
ومع كل كيلومتر،
كانت المباني تختفي شيئًا فشيئًا،
حتى صار الطريق خاليًا إلا من الرمال والفراغ.
لكنه لم ينتبه.
كان غارقًا في حلمه،
ينتظر ظهور البحر والفيلا البيضاء.
وفجأة توقف السائق وقال:
— اتفضل يا باشا… وصلنا.
رفع محمود رأسه،
فتجمد مكانه.
لا بحر.
لا قصر.
لا شيء يشبه الأحلام.
فقط بيت عادي متواضع،
وعلى بابه ستارة قديمة تتحرك مع الهواء الساخن.
رن هاتفه.
فتح بسرعة،
فجاءه صوتها المرتبك:
— حمدلله على السلامة.
قال بلهفة ممزوجة بالخوف:
— إنتِ فين؟
— قدامك… ادخل. أنا خلف الستارة.
اقترب وقلبه يدق بعنف.
لاحظ ماعزًا مستلقيًا بجوار الحائط من شدة الحر،
ورائحة المكان ثقيلة.
ثم انفرجت الستارة ببطء.
ظهرت فتاة تجلس على كرسي متحرك،
باهتة الملامح،
منهكة،
وليست الفتاة التي عرفها في الصور.
ظل ينظر إليها مصدومًا،
ثم قال بصوت متقطع:
— إنتِ… المهندسة نادية؟
أطرقت رأسها،
وامتلأت عيناها بالدموع.
في تلك اللحظة،
انهار محمود على الأرض كأن أحدهم سحب روحه منه.
أخذ يبكي بحرقة:
— حرام عليكِ… ليه خدعتيني؟
بكت هي الأخرى وقالت:
— والله ما كنت أقصد كل ده…
في الأول كنت بتسلى…
ماكنتش أعرف إنك حتاخد الكلام بجد.
كل يوم كنت ناوية أقول الحقيقة…
بس كنت بخاف تخسرني.
ثم رفعت عينيها نحوه وقالت بألم:
— الناس هنا ما بيشوفونيش غير عبء…
أول مرة حد يكلمني كأني بنت طبيعية.
تعلقت بالكلام… بالكذبة… بيك.
ساد الصمت.
كان الليل ثقيلًا،
وأنفاسهما المتكسرة تملأ المكان.
مسح محمود دموعه وقال بصوت خافت:
— وأنا كمان كنت كذاب.
أنا لا مهندس ولا صاحب مكانة.
أنا مجرد ميكانيكي تعبان…
كتبت “مهندس” علشان أهرب من نظرة الناس.
رفعت رأسها نحوه بدهشة موجوعة.
قال وهو يضحك بمرارة:
— إنتِ هربتي من عجزك…
وأنا هربت من فقري.
إحنا الاتنين صدقنا أكاذيبنا لحد ما بقينا أسرى ليها.
ثم نظر إلى السماء وقال:
— الكذبة لما تكبر… بتاكل قلب صاحبها.
نهض ببطء،
وقد صار الحلم كله ركامًا تحت قدميه.
نادته بصوت مرتعش:
— ممكن تسامحني؟
توقف لحظة دون أن يلتفت، ثم قال:
— المسامحة سهلة…
لكن الأحلام لما تنكسر… صوتها بيفضل جوانا العمر كله.
خرج من البيت متثاقل الخطوات.
كان الطريق الترابي مليئًا بالحصى وروث الماعز،
وحذاؤه يغوص فيه مع كل خطوة.
نظر إلى قدميه طويلًا،
ثم ابتسم ابتسامة حزينة وهمس:
— خدعتنا أحلامنا الهشّة…
جرينا وراها بكل قلوبنا،
ولما وصلنا… اكتشفنا إننا كنا بندوس عليها بأحذيتنا.