
(تؤسس العلاقات على الحقوق والواجبات ، وتستمر وتستدام بالعفو والإحسان) .
تقوم العلاقات الإنسانية فى المجتمعات المختلفة على أساس المصالح والمنافع المتبادلة ، أو الحقوق والواجبات ، مالك وما عليك ، وهذا هو الأساس العالمى المعتمد لإنشاء وتأسيس العلاقات الإنسانية بين البشر أفرادا ومجتمعات .
وفى الثقافة الإسلامية نجد احتراما لهذا المبدأ العالمى الذى اصطلح عليه الناس لكن مع إضافة ركيزة أخرى لتأسيس وتشييد العلاقات الإنسانية وفق الرؤية الإسلامية التى لا تنظر لفن العلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعى نظرة عرجاء تكتفى بركيزة المصالح والمنافع المتبادلة كأساس ومعيار وحيد للعلاقات الإنسانية ، إنما تقوم العلاقات الإنسانية فى الثقافة الإسلامية على ركيزتين هما:
(١)العدل . و (٢) الفضل .
فإذا كانت العلاقات الإنسانية تبنى وتؤسس على الحقوق والواجبات ، وتبادل المنافع والمصالح ، وهذا هو (العدل) ، فإن الرؤية الإسلامية ترى ان العدل وحده لايكفى لعلاقات إنسانية إيجابية ومستدامة ، فالعلاقات لا تبنى على الحقوق والواجبات وحدها ، بل تشيد وتحفظ بالفضل والإحسان، والتغافل والتماس الأعذار ، والتجاوز فى كثير من الأحيان عن الأخطاء والعثرات والزلات ، والله تعالى يقول :” ولا تنسوا الفضل بينكم ” البقرة ، ” والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين” آل عمران ، “ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ” فصلت ، ” خذ العفو ، وأمر بالعرف، وأعرض عن الجاهلين ” الأعراف.
حتى وإن كانت الأجواء غير صافية والعلاقات متوترة فإن الإسلام يدعو أطراف العلاقة إلى الإنصاف وعدم التجاوز على حقوق الآخرين وغمطهم حقهم :” ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى” المائدة ،
” ولا تبخسوا الناس أشياءهم ” الأعراف .
هكذا نجد أن العلاقات الإنسانية فى الرؤية الإسلامية ليست عرجاء ترتكز على ركيزة واحدة فقط بل هى نظرة إيجابية متوازنة تقوم على ركيزتين أساسيتين هما (١) العدل و (٢) الفضل معا ، وتوجه الإنسان إلى أن يعدل فى العلاقات مع الآخرين فيؤدى الذى عليه وفى المقابل يأخذ ما له وفق مبدأ الحقوق والواجبات ، لكنه فى ذات الوقت لا ينسى للآخرين الفضل الذى كان ، ويعفو ويحسن بقدر الوسع والإمكان ، فلقد استقى من ثقافته الإسلامية أن العلاقات لا تستمر بالترصد ، بل بالعفو والتجاوز والتفضل ، وأنها تؤسس على الحقوق والواجبات ، والمصالح والمنافع المتبادلة ، لكنها فى ذات الوقت لا تنمو و تستدام إلا بالعفو والإحسان :”والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ” ،
وأن الحقوق والواجبات تبنى الحدود ، بينما العفو والفضل يبنيان ويشيدان الجسور ، وأنه إذا كان العدل يحفظ الحقوق ، فإن العفو والفضل يأسر القلوب :”ادفع بالتى هى أحسن فإذا الذى بينك وبينه عداوة كأنه ولى حميم ” .
لهذا فإن الإنسان الناجح فى العلاقات الإنسانية والاجتماعية وفق تلك النظرة الإسلامية ليس هو الذى يحسب علاقاته بلغة (مالى وما على) فقط ، وإنما هو ذا الذى يترك مع ذلك مساحة للفضل والإحسان فى العلاقة .
(أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم
فطالما استعبد الإنسان إحسان ) ،
ذلك أن ” النفوس جبلت على حب من أحسن إليها” ، وفى الحكمة يقولون:” الفضل يقيد القلوب” ، و “كسب القلوب مقدم على كسب المواقف ” ، فيؤسس لمودة تدوم وأثر لا ينسى ، ولقد قالت العرب:” التغافل نصف العقل ” و ” أعقل الناس أعذرهم للناس” .
نعم فإن العلاقات الإنسانية ليست معادلة صفرية إما كل شىء أو لاشىء البتة ، وإنما هى ليست عملية تبادل منافع مادية فقط بل فيها أيضا تبادل للعواطف والمشاعر والتفاعل الإنسانى ، لهذا نجد الصحابى الجليل على بن أبى طالب (ض) يؤشر لذلك المعنى العميق فى العلاقات بقوله:” عاتب أخاك بالإحسان إليه ، واردد شره بالإنعام عليه ” ، وفى الحديث يقول صلى الله عليه وسلم:
“لا يشكر الله من لا يشكر الناس ” ، فإن من لا يشكر الناس ويعرف لهم حقهم ويجحد فضلهم وهو يعيش بينهم فإنه أحرى به أن يجحد فضل الله عليه وهو لا يراه ولا يدركه بصره ” لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار ” فتجده وقد جحد فضل المخلوقين يجحد فضل أحسن الخالقين :” إن الإنسان لربه لكنود ” .
ويعلمنا الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم فنون التعامل الإنسانية الراقيه فيقول (ص) موجها :” من صنع إليكم معروفا فكافئوه ، فإن لم تجدوا ما تكافئونه فادعوا له” وهذا هو الإحسان
، ويقول الحسن البصرى (ح) :”من صنع له معروف فليذكره ، فإن ذكره شكر ، وإن كتمه كفر” ، والله تعالى يقول:” هل جزاء الإحسان إلا الإحسان” الرحمن ، ” وأحسنوا ، والله يحب المحسنين” المائدة
، وفى الحديث :” إن الله كتب الإحسان على كل شىء” .
ولقد أدرك العقلاء من الناس على مر العصور هذا المعنى العظيم وتلك الركيزة الأساسية فى العلاقات الإنسانية فوجدنا (سينيكا) الفيلسوف الرومانى يقول:” حيثما يوجد إنسان ، توجد فرصة للإحسان ” ، ويقول كونفوشيوس حكيم الصين :” إذا شربت الماء فتذكر النبع ” ، فلا تنسوا المعروف ” ولا تنسوا الفضل بينكم ” تستدام العلاقات الإنسانية وتشيد جسور التواصل الناجح فى علاقاتكم الاجتماعية .
وفى العصر الحديث ظهرت مدرسة العلاقات الإنسانية فى الإدارة فى النصف الأول من القرن الماضى لمؤسسها ( إلتون مايو) وزملاؤه حيث كانت ردا طبيعيا على المدرسة الكلاسيكية فى الإدارة وحركة الإدارة العلمية (لفريدريك تايلور) التى كانت لا تقيم وزنا للعلاقات الإنسانية والتفاعل الاجتماعى بين الناس فى الشركات ومؤسسات الأعمال وكانت نظرتها مادية نفعية جامدة قائمة فقط على مبدأ الحقوق والواجبات ، فالإنسان عنصر مادى من عناصر الإنتاج ولغة التواصل مع العاملين لغة مادية بحتة عبر الحوافز والمكافآت أو الجزاءات والخصومات ، فجاء إلتون مايو وزملاؤه ليعيدوا للعلاقات الإنسانية اعتبارها ويؤكدون على :
(١) أهمية الروح المعنوية للعاملين .
(٢)تأثير العلاقات الاجتماعية داخل العمل على الأداء .
(٣)التحفيز المعنوى بجانب التأثير المادى.
(٤) أهمية العمل الجماعى والشعور بالانتماء.
(٥)دور القيادة الإنسانية والتواصل الاجتماعى الفعال .
ثم تتابعت المساهمات من علماء آخرين فى نفس الاتجاه مثل: مارى باركر فوليت
التى اهتمت بالمشاركة والتعاون وحل النزاعات ، ودوجلاس ماكجريجور وآخرون ممن نسجوا على هذا المنوال .
وهكذا سبقت الرؤية الإسلامية الحضارة الغربية بقرون فى الاهتمام بالعلاقات الإنسانية والتأكيد على أنها تقوم على ركيزتين أساسيتين هما :
( العدل ، والفضل ) ،
“ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا، اعدلوا هو أقرب للتقوى ” ،
” ولا تنسوا الفضل بينكم ” .