كتاب وشعراء

رجلٌ ولكن …بقلم أحمد العك

أنا ذلك الرجل
الذي أمضى عمره كلّه واقفًا في وجه الريح،
لا لأنّه كان أقوى من العاصفة،
بل لأنّه لم يجد مكانًا يحتمي فيه.
رجلٌ استهلكته الأيام
كما تستهلك النارُ آخرَ ما تبقّى من الحطب،
وأكلت من روحه السنواتُ
أكثر مما أكلت من جسده.
لم أكن جشعًا في أحلامي.
كنت أطلب أشياء تبدو صغيرةً في أعين الآخرين،
لكنّها كانت بالنسبة إليَّ وطنًا كاملًا:
شيئًا من الطمأنينة،
بعضًا من الاستقرار،
قليلًا من الفرح الذي لا يمرّ عابرًا كالغريب،
وشعورًا بأن هذا العمر لم يُكتب لي لأكون شاهدًا على خساراته فقط.
كدحتُ حتى تعبت يداي من حمل الأيام،
وفكّرتُ حتى أثقلت الأفكار رأسي كالجبال،
وصبرتُ حتى صار الصبر جزءًا من ملامحي.
ومع ذلك…
كلّما اقتربتُ من بابٍ ظننته باب الخلاص،
وجدته بابًا آخر للانتظار.
وكلّما قلتُ:
لعلّ القادم أجمل،
كان القادم يحمل وجهًا جديدًا للتعب.
لا أبكي لأنّ الحياة كانت قاسية فحسب،
بل لأنّني كنت طيبًا أكثر مما ينبغي.
كنت أرى الخير في الناس،
وأمنح الثقة قبل أن تُطلب،
وأؤمن أنّ القلوب النقيّة لا تُخذل.
لكنّ الحياة علّمتني متأخرًا
أنّ الطيبة كثيرًا ما تدفع ثمنًا لا يدفعه سواها.
أشعر أحيانًا
أنّ عمري مضى وهو يطارد سرابًا اسمه “غدًا”،
وأنّ السنوات التي خبأتُ فيها أحلامي
تساقطت واحدةً تلو الأخرى
كما تتساقط أوراق الخريف من شجرةٍ أنهكها الانتظار.
أنا لا أرثي فقري،
ولا أرثي حظّي،
ولا أرثي ما فاتني من متاع الدنيا.
أنا أرثي ذلك الرجل الذي كان يسكنني…
ذلك الرجل الذي كان يظنّ
أنّ التعب لا بد أن يُكافأ،
وأنّ الصدق لا بد أن يُقدَّر،
وأنّ القلب النظيف سيجد مكانه يومًا بين الزحام.
أرثي أحلامًا عاشت طويلًا ثم ماتت بصمت،
وأرثي أمنياتٍ لم تكن كبيرةً بما يكفي لتُرفض،
ولا صغيرةً بما يكفي لتتحقق.
فإن مرّ اسمي يومًا بعد الغياب،
فلا تقولوا إنّه كان رجلًا عاديًا.
قولوا:
هنا مرّ إنسانٌ
حمل من الأوجاع ما كان يكفي لإسقاط الجبال،
ومع ذلك ظلّ يحاول.
هنا عاش رجلٌ
لم ينتصر على الحياة دائمًا،
لكنّ الحياة، بكل ما فيها من قسوة،
لم تستطع أن تنتزع من قلبه إنسانيته.
وهنا رحل رجلٌ
كان يتمنى سعادةً بسيطة،
فصار حلمه الأخير
أن يجد في نهاية الطريق
سلامًا يعوّضه عن كل الحروب التي خاضها وحده.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى