كتاب وشعراء

السلام عليكم يا صاحبي…بقلم رضوي أمين

كم أحب تلك البداية؛ بدايةٌ تتبع سنة حبيبنا صلى الله عليه وسلم، وهي السلام الذي أحتاجه كثيرًا، كما أعلم أنك أيضًا تحتاجه. أما مناداتي إياك، أيها القارئ، بـ«يا صاحبي»، فليس لأني أعرف من أنت؛ فالكتابة سهمٌ موجه إلى صاحبها، مبهمُ الهوية، يطلقه الكاتب، ولا يعلم إلى من سيصل أولًا، ولكنه متيقن أن السهم الذي أطلقه سيصل إلى صاحبه. ولطالما ظننت أن هذه الكتابات البسيطة سترافق أصحابها حين يحتاجونها؛ لذلك ناديت قارئها: يا صاحبي.

أما بعد…

مرت سنوات، ليست بالكثيرة في حساب العمر، لكنها كانت طويلة بما حملت من ثقل، وأنا أحمل شيئًا من الثقل، وآخر من القلق، وقنطارًا من الهم، وأنا أخطو نحو المجهول والمستقبل البعيد.

تعلم.. لن أخشى يومًا فقدَ مكانةٍ، أو مكانٍ، أو شيءٍ، بقدر خوفي من أن أفقدني وأنا أهرول؛ أخشى أن أهرول في طرقٍ طويلة، أدفع فيها أنفاسي، وأستنزف فيها جهدي، ثم في آخر المطاف ألتفت خلفي، فأجد ما سعيت إليه صعيدًا جرزًا. هذا أكبر ما يفجعني، يا صاحبي.

مؤخرًا استوقفني قولٌ للدكتور أحمد عبد المنعم:
«أنت لست بشيء، فلا تتشيأ، ولا تجعل قيمتك تتمحور حول شيء؛ فإن فقدته، أصبح حالك كحال صاحب الجنتين».

فصاحب الجنتين قد ظن في نفسه، عندما دخل جنته، أنها لن تبيد أبدًا، رغم أن صاحبه قد حذره من قبل ألا يغتر بما عنده، وأن يتذكر أن ما هو فيه من عند الله، وأن الله قادر على أن يجعل كل ما عنده صعيدًا زلقًا، فأعرض عن قول صاحبه، ولم يُصغِ إليه حقَّ الإنصات، فلقي ما لقي، فهلكت بساتينه، واستُؤصل ما فيها، وعندما رآها قد زالت أخذ يقلب كفيه، وفوق كل ذلك لم تكن له فئةٌ ينصرونه، كما قال الله تعالى:

﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا ۝ وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا﴾.

أقسم بمن لا يُقسم إلا به، إن هذا الحال يعصر قلبي؛ خشية أن أنال يومًا ما ناله، أو أن يصبح حالي كحاله، أو أن أُصاب في سعيي بما أُصيب به، فأقلب كفيَّ على ما أنفقت من عمري على سرابٍ لم أنل منه شيئًا. هذا هو الهم الذي أحمله منذ سنوات، وما زال يثقل على كاهلي، وكلما مرت سنة ازداد ثقله على قلبي.

أتعلم ما الذي يصبرني قليلًا؟ إنني لم أتفاخر يومًا بشيء، ولم أنظر إلى أحد نظرةً دونية، ولم أقل يومًا: «هذا بفضلٍ مني». وحتى إن ذهب كل شيء، فسأقول قولَ يعقوب، ولست بشبيه يعقوب في شيء، ولكني أتشبه به، لعلي أُجزى جزاءه.

﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا ۚ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾.

أحيانًا قد تُصاب جنتنا التي أنفقنا عليها أعمارنا، وبذلنا فيها كل ما نملك من مجهود ذهني وبدني، بآفةٍ تفتك بها، ويأتي بلاءٌ من الله ليحطم كل شيءٍ بنيناه، ومعه أصنامًا صلبةَ البنيان بداخلنا، كوَّنتها المعاني الخاطئة وقصور التربية. والله يعلم أننا نعجز عن تحطيمها بأيدينا، فيحطمها هو بابتلاءاته…

حينها أتحدث مع نفسي بصوتٍ مسموع، وأخبرها: ألستِ أنتِ من رفعتِ كفيكِ ذات ليلة، وقلتِ: «واجعلني لك كما تحب»؟ ألم ترددي: «أصلح المضغة التي هي موضع نظرك»؟ فكيف تليق بنظره، وفيها الأصنام التي تمنعكِ عن اقتحام العقبة، التي قد تكون حاجزًا بينكِ وبين التمكين؟

لا أعلم، ربما جاءت تلك الابتلاءات لتصلحكِ، لا لتهدمكِ كما ظننتِ.

أقول قولي هذا لها، يا صاحبي، وأنا أعلم أن الضعف كاد أن يغلبها، كما أعلم بحالك المشابه لي، وأنه كاد أن يغلبك أنت أيضًا، ولكن لا تنسَ قول الله تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَىٰ أَمْرِهِ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾.

أعلم أن ما بداخلك أصبح هشيمًا، ولكن الله غالب. كما أعلم أن كل الشواهد والدلائل لا تنصرك، ولا تبشرك بنصرٍ بعيد حتى، ولكن ما قد يهدئ من روعك أن لك حالًا يشبه حال موسى عليه السلام؛ البحر أمامه، وفرعون خلفه، وحتى الذين معه قالوا: ﴿إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾، فقال: ﴿كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾. فمهما طال عليك البلاء، وكثرت عليك الحجج والشواهد التي توهمك أنك لن تصل ولن تُنصر، فلا تُعرض عن ذلك الصوت الذي جاء بكلماتٍ نبعت من حسن الظن بالله، ككلمات سيدنا موسى، تلك الكلمات التي تشبه العلاج. فهي الكلمات التي شقَّ الله بها البحر، ونجَّى بها موسى ومن معه.

أتظن أن الذي خلقك سيتركك تهلك، وأنت تقلب وجهك في سمائه رجاءً فيه ألا تهلك؟

أبشر، يا صاحبي، فلعل القبلة المقبلة تكون نحو دعاءٍ دعوت به منذ زمن، حتى نسيته أنت، ولم ينسه الله.

أبشر، فالله حييٌّ كريم، ولن يترك تلك اليدين اللتين رُفعتا إليه كثيرًا صفرًا فارغتين، ليس فيهما شيء.

الله لا يضيع أولياءه. ألم تكن إحدى دعواتك: أن يصنعك الله على عينه؟ إن كانت إجابتك نعم، فلا تنسَ أن طريق الصنع مليء بالاختبارات الشديدة، ولكن رغم ذلك فأنت على عين الله، أتظنه يغفل عنك؟

كلا، والله، لن يضيعنا.

تعلم، أنا دائمًا ما أستحضر قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ﴾. تلك هي طريقة التمكين؛ ابتلاءات تمتحن ثباتك، وتمتحن ظنك بربك، وفي النهاية الله فعَّالٌ لما يريد، إن أراد الله شيئًا قال له: كن، فيكون.

والنبي صلى الله عليه وسلم قال:
«فلو أنَّ الخلقَ كلَّهم جميعًا أرادوا أن ينفعوك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك؛ لم يقدروا عليه، وإن أرادوا أن يضروك بشيءٍ لم يكتبه الله عليك؛ لم يقدروا عليه، واعلم أن في الصبر على ما تكره خيرًا كثيرًا، وأن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرًا».

زادك في الطريق، يا صاحبي، هو صبرك، فلا تتخلَّ عنه فتهلك. ولا تنسَ المقولة: إن صبرتم جُزيتم، وأمر الله نافذ، وإن جزعتم بُليتم، وأمر الله نافذ. فاجعلها تمر، ولا تعترض؛ فإن أبيت، ستمر، ولكنها ستمر أثقل وأثقل؛ فاحمد الله على ما قدره لك، أيًّا كان، فعسرٌ واحد لن يغلب يسرين.

وأخيرًا… السلام عليك يا صاحبي، إلى أن تلقاك كتابتي مرةً أخرى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى