كتاب وشعراء

الأمثال الشعبية من الخطأ إلى الصواب … بقلم محمد عبد اللاه أحمد

السلام عليكم

65- يخْلِقْ نَاسْ وِيتْحِفْهُمْ , وِيخْلِقْ نَاسْ وِيحْدِفْهُمْ :
• مَضْربُه : يُضرَبُ هذا المثلُ في تفاوت درجات الناس المادية والاجتماعية والسياسية واختلافها حيث يتنوعون بين فقراء وأغنياء , وبين بسطاء وعظماء , وبين قادة ومقودين , وبين رؤساء ومرؤوسين إلخ … .
• مَا يُؤْخَذُ عَلَيْه : يُؤخذُ على هذا المثل أنه ( مغلوط عَقَدِيًّا ) فهو يتهم ربَّ العباد – حاشا لله – أنه يفرق بين عباده في العطايا والأرزاق حيث يعطي بعضهم من فضله أعظم العطايا وأغلاها , وكأنه يخصُّهُمْ من بين خلقِهِ – جلَّ جلالُه – بما يُشبِهُ التحفَ الثمينةَ النادرة , ويمنع بعضهم الآخر – سبحانه وتعالى – بشكل مطلق , وكأنهم أصبحوا في عالم الخلائق مُهمَلِينَ مُهَمَّشِينَ , وهذا الاعتقاد ليس صحيحًا على الإطلاق , ويدُلُّ على النظرةِ البشريةِ القاصرةِ عند أولئك القائلين بهذا المثل , ويدفعهم إلى الفسق والجحود بنعم الله , ثم يدخلهم النار , وليعاذ بالله .
– فالله تعالى يعطي كل إنسان ما يستحقه من العطايا , وما يناسبه من الهبات , وما يقدر عليه من النعم , فهو خالقه , وهو أعلم به وبحاجاته وقدراته وإمكاناته المادية والنفسية ؛ حيث يقول سبحانه وتعالى : ” أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ” ( الملك : 14) , فهناك من الناس من إذا أصابه الغنى وكثرة المال طغى وبغى , وإذا أصابته القوة والمكانة تكبر وتجبر , وإذا ملك وتحكم لا يعفو ولا يرحم , فيمنع الله منه ذلك – رحمةً به ومحبةً له – ويعطيه غيرها من النعم والهبات , وهي عند الله كثيرة لا تعد ولا تحصى : فمنها الصحة والعافية , والأولاد , والزوجة الصالحة , وراحة البال , والرضا والقناعة , والستر , ومحبة الله تعالى , ومحبة الناس , والبركة في الرزق , والعلم , والمعرفة , والحكمة , وبر الأبناء , والقدرة على طاعة الله وعبادته , والشعور بالأمن والأمان , وحسن الخاتمة , وغير ذلك الكثير والكثير …
– فإذا منعك الله تعالى المال فقد منحك الأولاد , وإذا منعك الأولاد فقد منحك الزوجة الصالحة , وإذا منعك المنصب الكبير فقد منحك العلم الوفير , وإذا منعك الصيت والشهرة فقد منحك الصحة والعافية , وإذا منعك الجاه والسلطان فقد منحك الرضا وراحة البال , وهكذا وهكذا ……….
– وعلى ذلك يكون الناس جميعًا قد خلقهم الله تعالى , وأعطى من الرزق ما يناسب كلًا منهم , وما يقدر عليه , وما يحتاج إليه حقًّا دون منقصة ولا مظلمة , فالله تعالى يقول : “وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا “( الكهف : 49) , ويقول سبحانه : ” وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ ” ( فصلت : 46 ) .
– وما على الإنسان إلا أن يفهم جيدًا أن العطاء من الله تعالى خير , وأن المنع منه – جل جلاله – كذلك خير , وقد يكون كلاهما ابتلاء , فقد يعطيك الله شيئًا من النعم تتمنى لو لم يكن هذا الشيء معك , وقد يمنعك شيئًا آخر تستقيم حياتك من غيره وتسعد لكونه ليس معك , فالله تعالى يقول : ” فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ * وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ ( الفجر: 15– 16) , واستمع إلى الإمام أحمد بن عطاء الله السكندري – رحمه الله ورضي الله عنه – وهو يقول : ” ربما أعطاك فمنعك , وربما منعك فأعطاك , إن فتح لك باب الفهم في المنع عاد المنع عين العطاء , إنما يؤلمك المنع لعدم فهمك عن الله فيه , ربما فتح لك باب الطاعة وما فتح لك باب القبول , وربما قضى عليك بالذنب فكان سببًا في الوصول “(40) ، ويقول الإمام الغزالي رحمه الله تعالى : ” إذا رأيت الله يحبس عنك الدنيا , ويكثر عليك الشدائد والبلوى , فاعلم أنك عزيز عنده , وأنك عنده بمكان , وأنه يسلك بك طريق أوليائه وأصفيائه ” .
– واختلاف الناس في العطايا الربانية والهبات الإلهية سنة الله في خلقه حيث نراه في الأشجار والثمار والجبال والأنهار والبحار والطيور والحيوانات وفي كل المخلوقات التي في الأرض والسماوات , فليس من المقبول والمعقول أن يكون الناس جميعًا متماثلين في المناصب والمكاسب والأفكار والأشكال والألوان والقدرات والإمكانات أو غير ذلك ؛ فلابد أن يكون الاختلاف بين الناس محقَقًا في كلِّ شيء حتى يتحقق التكافل الاجتماعي بينهم , ويسعى كلٌّ منهم في خدمة الآخرين بما وهبه الله تعالى من نعمة , وما منحه من رزق ؛ فيصبح الجميع وكأنهم شخص واحد , فالأغنياء , والفقراء , والأطباء , والمعلمون , والمهندسون , والصناع , والتجار , والفلاحون , والجنود , وعمال النظافة , وغيرهم من فئات المجتمع المختلفة كلُّ واحدٍ منهم يتكاتفُ مع الآخرين حوله , فيعطي لهم ما يقدر عليه من أمور , ويأخذ منهم ما يحتاج إليه من أمور تحت مسمى ( الحقوق والواجبات ) ؛ فالله تعالى يقول : ” نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ ” ( الزخرف : 32 ) .
ولك أن تتخيل أن الناس جميعًا – فقط – أغنياء أو أطباء أو مهندسون أو معلمون أو فلاحون أو حرفيون أو جنود أو غير ذلك من فئات المجتمع المختلفة … فمن يخدم من ؟ ! ومن يسعى في مصلحة من ؟! , ومن يدافع عن من ؟ ! ، ومن يعالج من ؟ ! , فالطبيب – مثلًا – يحتاج إلى من يعلم أولاده , ومن يدافع عن وطنه الذي ينتمي إليه ويعيش فيه ، ومن ينتج له ما يأكل من الطيبات , ومن يُنشِأ له ما يبيت فيه ويسكن , ومن يُخلِّص مجتمعَه من القمامة وما يترتب عليها من أضرار , ومن يخترع له الأدوات والوسائل والأشياء التي يحتاج إليها في مسيرة الحياة , ومن يصنع له هذه الأشياء , ومن يأتي له بها , ومن يوجهه توجيهًا صحيحًا إلى معرفة الله تعالى وأسباب الفوز بنعيمه في الدنيا والآخرة .. أي أنه في حاجة ضرورية وملحة إلى المعلم , والجندي , والمزارع , والمهندس , وعامل البناء , وعامل النظافة , والمخترع , والصانع , والتاجر , ورجل الدين , وغير هؤلاء ……… , وكذلك كل واحد من هؤلاء يحتاج بعضهم إلى بعض؛ فالله تعالى يقول : ” وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ ( البقرة : 251 ) , وعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – قال : قال الرسول – صلى الله عليه وسلم – : ” المؤمن للمؤمن كالبنيان المرصوص يشدُّ بعضُه بعضًا ” وشبَّكَ بين أصابعه ( أخرجه البخاري ومسلم ) , ويقول الشاعر :
الناسُ للناسِ في بدوٍ وحاضرةٍ ** بعضٌ لبعضٍ وإن لم يشعروا خدمُ
– وبهذه النعم الكثيرة المتنوعة المنتشرة التي مَنَّ اللهُ بها على الناس يكون الناس كلهم قد أخذوا – من الله تعالى – أرزاقهم وأنصبتهم في الحياة الدنيا كاملة غير منقوصة عسى أن تنفعهم في الحياة الآخرة إن شاء الله , ولا يتحقق ذلك إلا بالإيمان الثابت والعمل الصالح .
• وتصويبُ هذا المثلِ أن نقول : ” يِخْلِقْ نَاسْ وِيِتْحِفْهُمْ , وِيخْلِقْ نَاسْ وِيِنْصِفْهُمْ ” , أي يخلُقُ الناسَ , ثم يرزُقُ بعضَهم أرزاقًا عظيمةً كبرى , ويرزُقُ بعضَهم الآخَرَ أرزاقًا عظيمةً أخرى , فتتعدد الأرزاقُ المقدرةُ الجليلةُ بتعدد المرزوقين بها , وتتنوعُ بتنوعِهم ؛ حتى يُصبِحَ الجميعُ تحتَ سحائبِ الأرزاق متنعمين سعداء متساوين في العطاء .
66- وكذلك قولُهم : ” خَلَقْ نَاسْ وِسَبَّبْهُمْ , وِخَلَقْ نَاسْ وِكَبَّبْهُمْ ” , أي خلق بعضَهم , وهيَّأَ لهم – سبحانه وتعالى – أسبابَ الرزق الوفير , والخير الغزير , وخلق البعضَ الآخر , وجعلهم كالكرات المستديرة التي يُرمَى بها إهمالاً لشأنهم , وتهميشًا لشخصهم .
– وتصويبُهُ أن نقول : ” خَلَقْ نَاسْ وِسَبَّبْهُمْ , وخَلَقْ نَاسْ وِحَبَّبْهُمْ ” , أي خلق بعضَهم وهيَّأَ لهم – سبحانه وتعالى – أسبابَ الرزق الوفير , والخير الغزير , وخلق البعض الآخر , وجعلهم مَحبُوبينَ مُحَبَّبِينَ راضِينَ بأنفسهم مَرضِيِّينَ لدى غيرهم ؛ حتى أصبح جميعُهم غارقين في نعم الله تعالى وفضله , كلٌ حَسَبَ سعيِهِ المُقَدَّر , ورزقِهِ المُسَطَّر .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى