
أسعفني يا عقلي .. قبل أن أفقد آخر ما يدلّ عليّ، أسعفني يا عقلي فما عدت أفهم الأشياء كما كانت تُفهم، ولا العالم كما كان يُرى، ولا نفسي كما كنت أعرفها.
أمدّ يدي إلى داخلي فلا أجد غير صدىً يتردد في فراغ واسع، وأبحث عن الفكرة فلا أجدها إلا وقد سبقتني إلى متاهة أخرى، كأنها تعمد إلى الفرار كلما هممت بالإمساك بها.
لقد أصاب شيئاً في أعماقي ما لا أعرف له اسماً، وكأن المنظومة التي كان العقل يدير بها فوضى الوجود قد تعطلت
أو لعلها لم تتعطل، بل بلغت من الإرهاق حداً جعلها تعجز عن أداء وظيفتها الأولى: أن تمنح الفوضى معنى، وأن تهب الضجيج نظاماً وأن تُخرج من التناقض صورة يمكن احتمالها.
لم أعد أبني أفكاري كما كنت أفعل، بل صرت أشاهدها وهي تبني نفسها بعيداً عني، ثم تنهار قبل أن تكتمل.
أفكاري لم تعد تسير، وإنما تعدو، لا تتأمل، وإنما تتدافع، لا تتحاور، وإنما تتصارع.
كل فكرة تستعجل أن تكون الأولى، وكل احتمال يريد أن يحتل مساحة اليقين، حتى أصبح العقل ميداناً تتقاتل فيه الأفكار أكثر مما تتعايش.
كلما حاولت ترتيبها، تمردت وكلما سعيت إلى جمعها، تناثرت وكلما أردت تهدئتها، ازدادت صخباً.
حتى خُيِّل إليّ أن الفوضى لم تعد عارضاً على التفكير، بل أصبحت هي طريقة التفكير نفسها.
فكيف يهتدي العقل إلى نفسه إذا صار هو المتاهة؟ وأين الدليل إذا أصبح الباحث هو المبحوث عنه؟ وهل يستطيع العقل أن يُداوي نفسه، أم أن الطبيب هنا هو المريض؟
هذه الأسئلة لا أطرحها طلباً للإجابة، وإنما لأن السؤال نفسه صار آخر ما أملك.
أيعقل أن يبلغ الإنسان مرحلة يشك فيها في الأداة التي كان يشك بها في كل شيء؟ هل يمكن للعقل أن يفقد ثقته بنفسه، دون أن يفقد وجوده؟
وهل الجنون هو غياب العقل، أم لحظة يعجز فيها العقل عن احتمال كثافة وعيه؟
لا أدري وأنا حين أقول: لا أدري، لا أستعملها هرباً من الجواب، بل اعترافاً بأن اليقين نفسه قد أصبح سؤالاً.
إنني لا أشعر أن عقلي قد مات بل أشعر أنه يقاتل يقاتل بطريقة لا يفهمها أحد.
كثورٍ هائج لا لأنه يحب الهياج، بل لأن القيود ضاقت حتى صار التمرد هو الطريقة الوحيدة التي يخبر بها العالم أنه ما زال حياً.
إن الناس يرون حركة الثور، ولا يرون السياط التي سبقته. ويرون الصراخ، ولا يسمعون الألم الذي أنجبه.
وكذلك العقل يرون اضطرابه، ولا يرون الضغوط التي راكمت فوقه جبالاً من الصمت والخذلان والأسئلة المؤجلة.
لقد توالت عليه الأثقال حتى أوشكت أن تسحقه وتكالبت عليه الوساوس حتى لم يعد يعرف أيُّ الأصوات صوته.
وزاد الأمر قسوة أن كثيرين لم يحاكموا أفكاره، بل حاكموا وجوده، ولم يناقشوا منطقه، بل ضاقوا بحريته.
وَأَحسَبُ أن للعقل الحر قدراً لا ينجو منه فالعقل الذي يرضى بكل شيء يعيش مطمئناً.
أما العقل الذي يسأل، ويشك، ويرفض، ويعيد بناء العالم كل يوم، فإنه يدفع ثمن يقظته من سكينته.
ولذلك قيل: ذو العقل يشقى في النعيم بعقله وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم.
ولعل عقلي لم يُعاقَب لأنه أخطأ، بل لأنه رفض أن يتوقف عن التفكير.
كان يستطيع أن يختار راحة التسليم، لكنه اختار تعب السؤال.
وكان يستطيع أن يقول نعم حيث يقول الجميع نعم، لكنه تعلم أن يقول لا حين يرى أن لا هي الحقيقة.
وفي زمنٍ أصبحت الطاعة فيه فضيلة مطلقة، صار التفكير تهمة، وأصبحت الحرية عبئاً لا يحتمله إلا من رضي أن يدفع ثمنها.
لهذا لا أرى أن عقلي قد غاب إنه مختبئ تحت ركام هائل من الإرهاق.
إنه يقاوم بصمت ويحاول أن يحفظ آخر ما تبقى من استقلاله.
وأؤمن أنه سيعود لكن العودة ليست أن يستعيد قدرته على التفكير فحسب، بل أن يستعيد شروط التفكير.
فالعقل لا يزدهر في الخوف ولا ينضج في القهر ولا يبدع وهو مقيد.
إنه يحتاج إلى فضاء يتنفس فيه، وإلى أمن لا يخشى فيه السؤال، وإلى حرية لا تكون فيها الحقيقة جريمة.
فإذا عاد، فلن يعود إلا كما عرفته: حراً مفكراً عصيّاً على التدجين.
أما إن عاد مجرد آلة تكرر ما يُطلب منها، فذلك ليس عودة، وإنما صورة أخرى من الغياب.
ولهذا، فإنني لا أطلب النجاة لعقلي وحده، بل أطلب له الكرامة.
فالنجاة بلا كرامة ليست حياة، كما أن التفكير بلا حرية ليس تفكيراً.
وسيظل إيماني به قائماً، مهما اشتدت العاصفة، لأنني أعلم أن العقول العظيمة لا تُهزم حين تتعب، وإنما تُهزم حين تتخلى عن حقيقتها.
ولذلك فإنني، في نهاية هذا الليل الطويل، لا أرفع راية الاستسلام.
بل أرفع راية الإيمان إيماناً بأن العقل الذي اختار الحرية، وإن تعثر، لا بد أن يجد طريقه إليها مرة أخرى.
وأن الهزيمة الحقيقية ليست أن يسقط العقل، بل أن يرضى بالسقوط.