الإنسانيّة المفقودة.. مقال في الأدب التأمّلي الوجداني.. بقلم الأديب السوري: عمار العمشان

أحياناً لا يكون العالمُ قاسياً بقدر ما يكونُ أصم، ولا يكونُ الألمُ عابراً بقدرِ ما يكونُ منسياً في زوايا الإهمال. ثمَّة أشياءُ لا تموتُ بضربةٍ واحدة، وإنما تُتركُ لتتآكلَ على مهلٍ أمام أعينٍ ألفتِ التحديق في الفراغ دون أن تُبصرَ، حتى يغدو الغيابُ هيئةً أخرى من الحضورِ، لكنهُ حضورٌ يُشبهُ وخزَّ الإبر تحت الجلد. في هذا العالم، لا تهوي الإنسانيةُ دفعةً واحدةً، لأنها تتسرَّبُ من شقوقِ التفاصيلِ الصغيرةِ كما يتسرَّبُ الضوءُ من نافذةٍ مواربةٍ من يدٍ تردَّدت فلم تُمد، ومن نظرةٍ عبرت كسحابةٍ ولم تُمطر، ومن قلبٍ آثرَّ النجاةَ منفرداً كناجٍ من غرقٍ قرَّرَ ألا يلتفت. وهكذا، لا يعودُ القهرُ حادثةً طارئةً، ولكنه يتحولُ إلى إيقاعٍ رتيبٍ للحياةِ يتكرَّرُ حتى تتبلدَ فينا دهشةُ الفجيعةِ، وننسى كيف يكونُ الاستنكار.
يمرُّ الإنسانُ في حياتهِ على مساحاتٍ لا تُرى بالبصر، لكنها تُثقلُ كاهلَ الروحِ كصخرةٍ جاثيةٍ على الصدر. لذلك هناك أشياءُ لا تأتي في هيئةِ وقائعَ صارخةٍ، وإنما تتسللُ إلى الداخلِ كالندى على زجاجٍ باردٍ، فتُغيرُ هندسةَ الرؤيةِ إلى العالمِ دون أن ندري متى تتشققُّ ملامحُنا الداخلية. فالقسوة لا تقتحمُنا اقتحامَ الغزاةِ، لنألفُها كما يألفُ السجينُ جدران السجن ويُصبحَ جزءاً من صمتها البليد، وليس الجوعُ فراغَ معدةٍ فحسب، إنَّهُ انطفاءُ الكرامةِ حين يُرجأُ حقُّ الإنسانِ في أن يحيا كما يليقُ بالحياة، وهو انحناءةُ الروحِ التي تُرغمُ الجسدَ أن يرضى بالفتاتِ كي لا ينطفئ، بينما تظلُّ الروحُ تسألُ بصوتٍ مبحوحٍ. متى صار مجرَّدُ البقاءِ يستنزفُ كلَّ هذا القدرِ من التنازل؟! في الجوعِ لا يخسرُ الإنسانُ طعامهُ فقط، لأن يتسرَّبُ منهُ شيءٌ من صوتهِ الداخلي، شيءٌ من حقهِ الأزلي في أن يكونَ مرئياً محسوساً، مُعترفاً بإنسانيتهِ.
يمرُّ بعضُ الناسِ في أرواحنا كأنهم لم يُجبلوا من لحمٍ وزمنٍ، ولكن صِيغوا من غيابٍ يُتقنُ فنَّ الحضور. لا نلمحُهم، لكنهم يُحركون فينا ما يُشبهُ ارتجافةَ النورِ في قاعِ بئرٍ سحيقةٍ هجرها الماء، وليسوا ذكرى عابرةً تُستدعى، إنهم وشمٌ محفورٌ في وعيِنا لا يبهتُ، لأنهم في لحظةِ صدقٍ خاطفةٍ عرّوا أمامنا هشاشتنا، وتركوا لنا مرآةً لا نجرؤُ على كسرها.
إنَّ الوجوهَ التي رحلت لا تغيبُ، رغم أنها لم تُنصف منذ البداية، لقد عبرت على هامشِ المشهد، بينما كان العالمُ منشغلاً بنحتِ تماثيلِ ضجيجهِ في ملامحها! أولئكَ الذين يبيتون على جوعٍ لا تراهُ العيونُ، ويُصبحون على قهرٍ لا تجرؤُ الأسئلةُ على الاقترابِ منهُ، سقطوا سهواً من دفترِ الإنسانيةِ، رغم أنهم حبرُ الحكايةِ الأول، وثمَّةَ أشخاصٌ لا يقطنون أعمارنا، يستوطنون ذلك الفراغَ المُبهمَ بين خفقتين، حيثُ تعجزُ اللغةُ وتسقطُ أوراقُ اليقينِ، فيغدو الصمتُ شهادةَ زورٍ صامتةً على انكسارِ ميزانِ الحياة. نحنُ لا نفتقدُهم فحسب، نحنُ نُفجعُ بإدراكٍ متأخرٍ أننا كُنَّا نتنفَّسُ جوارَ جراحٍ تمشي على قدمينِ، وكُنَّا عُمياناً عن نزفها، وفي صخبِ هذا العالمِ المُتسارعِ، يغدو القهرُ طقساً يومياً لا يستفزُّ أحداً، وتمرُّ الوجوهُ المُعذبةُ كظلالٍ على جدارٍ مُتسخٍ لا يلتفتُ إليها مارٌّ. هكذا يتحولُ الألمُ إلى ديكورٍ باهتٍ في خلفيةِ المشهدِ، لا تُبصرهُ العيونُ المُدمنةُ على اللامبالاة. عندها فقط نُدركُ أنَّ أفتكَ أنواعِ الفقدِ ليس أن نفقدَ الأشياءَ، ولكن أن نفقدَ قدرتنا على استشعارها، أن نصيرَ جُثثاً تمشي بقلوبٍ مُخدَّرة.
أحياناً لا يكونُ الإنسان المفقود خصماً، قد يكون امتلاء من طرازٍ آخر، بقسوةٍ لم تجد اسماً يُؤطِّرُها، وبأصواتٍ خُنقت قبل أن تولدَ، وبحقوقٍ ضلت طريقها إلى أصحابها، كقوافلَ تاهت في الصحراء، لأنَّ الفقد يجعلُ المُدنَ تضجُّ في الرأسِ كخلايا النحلِ، لكنها من الداخلِ خرائبُ تنعقُ فيها غربانُ المعنى.
في هذا التشابكِ المُعتمِ بين الجوعِ والقهرِ والخذلانِ المُمنهجِ، يتخلَّقُ في جوفِ الإنسانِ فهمٌ آخرُ للألمِ؛ ليس الوجعَ المجرَّدَ، إنها المأساةُ التي تسيرُ في الشوارعِ حافيةً دون أن تستوقفَ سؤالاً واحداً. فثمَّةَ فواجعُ لا تملكُ حنجرةً لتصرخَ، لأنها تُعادُ كلَّ يوم بذاتِ الصمتِ المُحكمِ، حتى تُصبحَ عُرفاً غير مُدوَّنٍ، ودستوراً للعيشِ المُشوَّه، وأقسى ما في موتِ الإنسانيةِ ليس الفعلَ الغليظَ، ولكن الشكل المرعب لهندسة التبريرِ التي تليه. أن يُعادَ نحتُ الظلمِ حتى يبدو ركناً من أركانِ الضرورةِ، وأن يُصاغَ القهرُ على هيئةِ قدرٍ محتومٍ، وأن يُطلبَ من المكسورِ أن يُهذِّبَ أنينَهُ كي لا يُعكِّرَ صفوَّ العابرين، ومع كل هذا الخرابِ المُتراكمِ، يظلُّ في أقصى الإنسانِ جمرةٌ صغيرةٌ تأبى الانطفاء، أو ارتعاشةٌ خافتةٌ تُجاهَ الوجعِ، ولو كان على الضفةِ الأخرى من العالم. أو نافذةٌ اسمُها الوعيُ، وإن أثقلها الغُبارُ، تظلُّ قادرةً على أن تهمسَ هذا تشوُّهٌ، لا فطرةٌ، حتى لو أقسمَ العالمُ كلُّهُ أنَّهُ النظامُ الطبيعيُّ للأشياء.
في النهاية، لا تُوزنُ إنسانيتُنا بما نجونا منهُ فُرادى، ولكن بما نجرؤُ على رؤيتِهِ في ملامحِ الآخرين دون أن نَسدلَ جفوننا. فالحياةُ لا تُهزمُ بالقهرِ وحدهُ، فحين نُصابُ بعمى الأسماءِ، يبقى في قاعِ الروحِ صوتٌ هشٌّ كقشَّةٍ تُقاومُ الغرقَ، يهمسُ مازال ثمَّةَ ما يستحقُّ أن يُرى، وأن يُسمع، ومازال في الإنسانِ بقيةُ نُبلٍ لم تُدفن بعد.
عمَّار العمشان