كتاب وشعراء

ثمار الأيام طيفك والمطر …..بقلم جميله فضل

أمس .. عشت ساعات تيه لوحدي تحت مطر صيفي بين أزقّة المدينة العتيقة .. من قبل كنت أحثّ خطاي لكي لا أتأخر عن موعدك ..كنت أمرّمسرعة رغم جمال هذه الأزقّة التي تحمل حضارات أجيال مساجد الدولة الفاطميّة .. وقصور الدولة الحسينية .. طرابيش الدولة التركية مع الجبة والقفطان والقوفيّة .. وباعة القرنفل صامدون على مرّ العصور.. كنت أعبر سوق العطّارين وكم كانت رائحة البخور والعطور تشدّني وتلحّ عليّ الوقوف .. أراك من بعيد تنا ّديني أسرع الخطى نحوك .. وأمرّ بسوق النّحاس بروائعة الفنيّة الأصيلة ودقات مطرقات الحرفيّين كاوزان ألحان عذبة لأجمل موسيقى تشدّ المستمع وأتمنّى الوقوف لللاستمتاع بهذا الفن الرّائع .. أراك ثانية تشير إليّ بيدك اليمنى .. أتمادى في السّير مسرعة أكثر .. اسير وأسير إلى نهاية الأزقّة .. وما كان موعدا بل وعودا أضربها لقلبي بين الزحام وكم أتمنّى موعدا حقيقيا رومنسيّا بين هذه الأزقّة .. وهذا اليوم الممطر غير العادي في أوائل هذا الصيف نبّهني إلى واقع مرّ أنّ لا مكان إلى الرومانسيّة في هذا الزّمن .. زمن الحروب الدامية .. والجسد المباح على شاشات البارابول .. ومواعيد غرام مستعار تضرب في رمشة عين عبر شبكة الأنترنات .. فأين أنا من هذه الأشياء الغريبة ؟.. سؤال حيّرني وما عرفت الإجابة .. وأنا واقفة بباب سويقة ..وكأنّني أبحث عن الإجابة في أغنية لطفي بو شناق { ريتك ما نعرف وين } لكنني لم أتذكّر..أفقت من إغفائي أترنّح مبللة .. ودون تفكير ودون عناء .. لقيتني أهرول نحو أسواق أزقة المدينة العتيقة وكأنّي أحتمي بها من المطر ومن هذه الألغازالتي تجول بخاطري وتحيّرني .. ولقيتني بين صياح الباعة ومدحهم لسلعهم التي ضاقت بها الدكاكين فخرجت تحتل أجزاء من الأزقّة تلثم وجوه المارّة..ولقيتني أمام البخور أتلمّسه كالعجائز زاعمة الفراسة ومعرفة مدى جودته .. أخذت حفنة وتنشقت العبير.. هي حقا ممتازة الطّيب .. اشتريت كميّة منه رغم أنّي لا أملك مبخرة إ.. ولقيتني واقفة أقلّب روائع نحاسيّة جميلة نقشت ببراعة نادرة .. انبهرت بتلك الحروف المنقوشة .. اشتريت طبقا منها .. وفوجئت بصوت الرجل يسألني اسم من سأنقشه لك على هذه الطّبق ؟.. صمتّ .. والرجل عاد ليسألني ولم أجد في قلبي وعلى لساني سوى اسمك .. أتمّ الرجل نقشه .. مسكت الطبق لأرى حروف اسمك التي نقشت من سنين في شراييني وعلى جبيني .. رأيت بين ثناياها وجها شاحبا على وجه اشحب وقطرات المطر تنساب من شعري تملأ الطبق فتغوص الحروف ويجري بها دمع حنين إلى ملاقاتك .. وددت لو كنت معي وألقي بوجهي المتعب بين أحضانك .. لتربت على كتفي وتجفّ خصلات شعري بين ثنايا معطفك أخذت الطبق مخترقة ما تبقى من الأزقة علي أنغام فيروزمنبعثة من أحد الدكاكين وبصوت عالي { بكتب اسمك يا حبيبي } حتى غابت الأغنية والطبق يحضنني ووديان من مياه الأمطارتجرّني إلى أن غاب النهار .. ولم تغب عني .. أزقّة المدينة العتيقة تقرؤك السلام .. سوق النحاس نقش اسمك بإلهام .. مطعم السندويتشات والمقهى .. حبات المطر تذكرك بموعد لم يتم .. ولن يتم على مرور مواعيد خياليّة أعيشها بين أزقة المدينة العتيقة .. وما عرفت الحقيقة .. غير أنّ طيفك يلاحقني .. حبك يطرق حواسّي يطمئنني .. يربّت على شراييني الأصيلة كما ربّت الزمان على أزقة المدينة العتيقة .

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى