رؤي ومقالات

صالح غريب يكتب: علي الدرورة .. الذي يزرع الكتب!!

في كل صباح، كان يخرج من منزله حاملاً حقيبة لا تبدو ثقيلة، لكنها كانت تحمل ما لا تستطيع الجبال حمله؛ أحلامًا مؤجلة، وذكريات أوشكت أن تُنسى، ومخطوطات تبحث عن قارئ.
كان الناس يرونه رجلاً هادئًا، قليل الكلام، لكنهم لم يدركوا أن الكلمات كانت تسكنه أكثر مما يسكن هو المدن. كان يؤمن أن الأمة التي لا تكتب، لا تستطيع أن تحفظ ذاكرتها، وأن التراث ليس صورًا قديمة تُعلَّق على الجدران، بل روحًا تُورَّث جيلاً بعد جيل.
لهذا، لم يكن يكتفي بالبحث في الكتب، بل كان يصنع كتبًا جديدة. عامًا بعد عام، أخذت مؤلفاته تتوالد حتى تجاوزت المائتي عنوان، في التاريخ، والتراث، والأدب، والثقافة، وكأن حياته كلها تحولت إلى مكتبة مفتوحة لا تغلق أبوابها.
ذات مساء، سأله أحد الشباب:
لماذا تتعب نفسك؟ وهل بقي من يقرأ؟
ابتسم وقال:
إذا انطفأ قارئ اليوم، فسيولد قارئ غدًا. المهم أن يجد الكتاب في انتظاره.
ومن تلك القناعة، أطلق مبادرة أسماها «كل شهر كتاب». لم يكن يبحث عن شهرة، بل كان يريد أن يعيد للكتاب مكانته في حياة الناس. وحين وجد أن الحلم يكبر، وأن القراء ينتظرون المزيد، تحولت المبادرة إلى «كل أسبوع كتاب»، وكأن الزمن نفسه صار يركض خلفه.
كان يقول دائمًا:”لا يكفي أن نكتب كتابًا، بل يجب أن نصنع عادة القراءة.”
بدأت المبادرة تكبر، وتجمع حولها القراء والكتّاب والباحثين. صار كل كتاب نافذة جديدة، وكل أسبوع موعدًا مع المعرفة، وكل لقاء بذرة تُزرع في عقل شاب أو قلب طفل.
ومع مرور السنوات، لم يعد الناس يتذكرون عدد الكتب التي ألّفها فحسب، بل تذكروا الرجل الذي جعل الكتاب حدثًا ينتظره الجميع، والذي آمن أن الثقافة فعل يومي، لا مناسبة عابرة.
وحين سأله أحدهم في نهاية إحدى الندوات:
ما الإنجاز الذي تفخر به أكثر من غيره؟
تأمل رفوف الكتب، ثم قال بهدوء:
ليس ما كتبته أنا… بل ما سيكتبه الآخرون لأنهم قرؤوا كتابًا في الوقت المناسب.
غادر القاعة، وبقيت كلماته معلقة في الأذهان، مثل وصية لكاتب أدرك أن العمر لا يُقاس بعدد السنوات، بل بعدد الأفكار التي يتركها تنبض في عقول الناس.
وهكذا، ظل الدكتور علي الدرورة يزرع الكتب، مؤمنًا أن بعض الأشجار تثمر ورقًا، لكن الكتب وحدها تثمر إنسانًا.
……………………………………….
*اعلامي قطري – الدوحة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى