كتاب وشعراء

تراتيل الوداع… بقلم صباح عبد الحليم نصار

سرت في الطريق، أرتدي قطعة من الظلام، تعكس ما بداخل قلبي، بينما تسير بجواري بعض النساء اللواتي دعونني لنذهب معا إلى ذلك الجمع.
وبينما نسير سويا أسمع صوت ضحكاتهن، ويتهادى إلى سمعي بعض الحكايات الممزوجة بالمزاح أحيانا، والجد أحيانا أخرى .
لم ألتفت إليهن؛ فكل ما أفكر فيه هو تلك الدعوة الإجبارية، أكره لحظاتها الثقيلة، التي تعيد دائما إلى قلبي طعم مرارة الذكرى.
وصلت إلى باب البيت، دلفت إلى الداخل، فكأني عبرت بوابة الزمان التي تحملني إلى أسوأ أيامي.
انضممت إلى هذا الجمع، أقف أمام صاحبة المصاب، ثم أهبط على ركبتيّ، أعانق عقلها التائه وروحها الغائبة وجسدها المرتعش.
كانت عيون الوافدات يأتين واحدة تلو الأخرى إلى داخل المكان الذي أغرقه فيضان الدموع منسابا فوق الوجنات، يلبين الدعوة مثلي ٠
يجلسن حولها، بينما تتوسطهن؛ تقلب بصرها دون أن تنطق، فهي صاحبة المأتم.
كانت الكلمات تنفلت من فمها كطفل ضاع من يد أمه، فضلَّ الطريق خارجا نحو السراب، تهامس الريح وتناجيه:
_ هل أنا أحلم؟
جلست بجوارها، أنظر إليهن من حولي، تغتال الظلمات نور عيني لتحيله إلى ظلام دامس، ملقى في بئر حزن عميق.
أقلب نظراتي بين العيون، في كل عين ذكرى صارخة تذيب العقل، أراهنّ ساهمات، توجه كل واحدة نظرها إلى اللا شيء، وكأنها ترى الماضي الذي استدعته تلك المناسبة.
فتلك العين تنعي أبا ضاع مع الزمان، ليترك لها ذكراه الحارقة، ليس لقسوتها بل لأنها لن تعود .
وأخرى تهبط منها الدموع مواسية على ذكرى أخ ضاعت سنوات شبابه بين طيات قبر مظلم، لم تلامس الأحلام بسمات قلبه الفتي .
أخذت أقلب نظري بعيدا، أرى الوافدات يقتربن من باب البيت؛ ليعبرن مثلي إلى بوابة الذكرى الحزينة، التي انقطع عندها ذيل الحكايات وزحام الضحكات، ورغم أنه لم يكن هناك شيء يثير تلك الدمعات من قبل، ولكن بمجرد أن جلسن، ومع تراتيل الوداع التي تعزف على ناي مكلوم، كانت كفيلة لأن يفيض معها شلال الآهات الموجعة ، وتقتل داخل القلب ذلك السكون الذي يطفو على سطحه؛ ليكشف في الأعماق عن ذكرى لم تمت بعد.
أخذت أقلب داخل عيونهن؛ لأرى الضحكات قد انتحرت فوق الشفاة، غارقة في بحر الدموع، مهزومة أمام سيله الجارف. والحكايات أصبحت بكماء تنزوي في أركان أفواههن.
كان كل شيء حولي يجذبني أنا أيضا إلى حافة أحزاني، أنجرف نحوها لأرى ذلك اليوم وكأنه عاد مرة أخرى.
أتذكر الأكفان تغطي جسد أمي، وأنا منهارة في انكسار ٠
في تلك اللحظة سال الشلال من عيني ساقطا إلى مصبه الأخير .
كلما أستمع إلى كلمة مواساة من إحداهن، أو آهة تخرج من تلك المرأة المكلومة، كلما ذابت معها صلابتي المزيفة .
صرخاتي تبحث عن مكان لتخرج إليه دون أن تخشى لومة لائم، لتنطلق في فضاء عبأته صيحات العويل.
تدق الباب بعنف؛ ليفتح على مصراعيه، فتنساب جارية، لولا أن شفتاي تقفان حاجزا لفيضانها.
بدأت أدرك أن تلك الدعوات صنعت ليس للمؤازرة فقط، بل وكأنها متنفسا لكل الموجعات.
أخيرا هامستني صديقتي، والتي كانت حاضرة من قبلي، بأن (هيا بنا)
استأذنت من صاحبة البيت، بكلمات مواساة أخيرة، أهدهد بيدي على جرحها وجرحي، ثم خرجنا، وما أن خطت أقدامنا خارج العزاء ، حتى عادت بنا الحياةف مرة أخرى، لتأخذنا في دورانها المعتاد.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى