سمير زين العابدين يكتب :حوار من طرف واحد: معركة “الوعي” الهروب الرسمي من استحقاقات الأزمة المعيشية

جاء خطاب الرئيس اليوم ليعيد إنتاج السردية الرسمية ذاتها التي دأبت السلطة على تصديرها مع كل اشتداد للأزمة الاقتصادية الحالية. بالحديث عن “فوضى المعرفة” و”فوضى الطرح على منصات التواصل”، وتصوير اعتراضات المواطنين وتحليلات الخبراء والمفكرين على أنها محاولات لتزييف وعي الناس وتشويه التحديات،
يضع النظام الحاكم نفسه في موقع “المحتكر الوحيد للحقيقة”، مبرراً ضيق الشارع وغضبه المكتوم بعدم الفهم، بدلاً من الاعتراف بإخفاق السياسات المتبعة.
إن التدقيق في هذا الخطاب، وفي الدعوة الملحقة به لعقد مؤتمرات حكومية لشرح “الإنجازات”، يكشف عن أبعاد مناورة سياسية واعية، تتأرجح قراءتها بين فرضيتين أحلاهما مرّ:
أولاً: فرضية العلم والمناورة (قلة الوعي شماعة الفشل)
تنطلق هذه القراءة من أن السلطة ليست معزولة عن الواقع، بل تمتلك تقارير رقابية وأمنية دقيقة ترصد بوضوح حجم التدهور المستمر في القدرة الشرائية للمواطنين وموجات الغلاء غير المسبوقة. بناءً على ذلك، فإن تصوير الأزمة كقضية “وعي وفهم” هو استراتيجية مقصودة تهدف إلى نقل عبء المسؤولية وتحويل النقاش العام من التساؤل المشروِع حول جدوى السياسات المالية، والاستدانة المفرطة، وترتيب أولويات الإنفاق، إلى معركة افتراضية ضد “الفوضى الرقمية”.
إرهاب النقد العلمي:
تسمية آراء خبراء الاقتصاد والمفكرين المستقلين بـ “فوضى معرفية” لمجرد أنها لا توافق الهوى الرسمي، وهي محاولة واضحة لنزع الشرعية عن أي بدائل اقتصادية وعلمية تفضح الخلل البنيوي في إدارة موارد الدولة.
الوقاية من مخاوف الانفجار الشعبي:
عبر وصم أي نقد أو حراك شعبي محتمل بأنه أداة تخريبية ناتجة عن “تزييف الوعي”، مما يرفع كلفة الاعتراض لدى المواطن العادي الذي يصارع يومياً للبقاء.
ثانياً: فرضية العزلة داخل “فقاعة القرار”
على الجانب الآخر، يظهر هذا الخطاب حجم الانسداد في قنوات الاتصال الطبيعية بين الحكم والشارع. لقد أدى تجريف الحياة الحزبية، وإضعاف المجالس النيابية المستقلة، وتحويل الإعلام التقليدي إلى بوق لتمرير الرواية الأحادية، إلى تدمير مجسات الاستشعار الحقيقية للدولة. ونتيجة لذلك، باتت السلطة تكتفي بتقارير حكومية جافة تتغنى بنسب نمو صامتة واكتمال مشروعات خرسانية، معزولة تماماً عن الأثر الاجتماعي الطاحن لتلك المشروعات على حياة الناس اليومية.
المؤتمرات القادمة: إعادة تدوير المونولوج
إن تجاهل الخطاب الرئاسي التام لضرورة الاستماع إلى الأصوات الأخرى، أو مناقشة جدوى الأفكار البديلة، يقطع بأن المؤتمرات المزمع عقدها لن تكون سوى “حوار من طرف واحد”. هو مونولوج رسمي طويل يهدف إلى التلقين والإملاء، هرباً من مواجهة أسئلة الشارع الصعبة والمحرجة أمام الرأي العام.
تدرك الحكومة أن فتح باب النقاش الحقيقي والموضوعي مع الخبراء المستقلين سيكشف بوضوح أن المعاناة ليست ضريبة حتمية لإصلاح مدروس، بل نتاج مباشر للإصرار على مسار اقتصادي أثبتت الأرقام والواقع تراجعه المستمر.
خاتمة
لقد أصبحت الصورة أكثر قتامة؛
فالخطاب لا يحمل أي نية حقيقية لتحسين أحوال المواطن أو مراجعة السياسات الاقتصادية والمالية.
إن الاستمرار في إنكار تدهور الواقع المعيشي والهروب إلى الأمام بالحديث عن “معركة الوعي” لن يمحو الغضب الكامن في النفوس، بل يعمق الفجوة بين السلطة والشارع، ويثبت أن النظام يرى في الاعتراف بالخطأ تهديداً لشرعيته، فيفضل الاستقواء بنبرة الاستعلاء الإعلامي والأمني، حتى لو كان الثمن هو الاستنزاف المستمر لجسد الوطن وصبر مواطنيه.