
لنقلها من دون تجميل، نحن لا نعاني دائماً من دولة فاسدة ومجتمع بريء. أحياناً يكون المجتمع نفسه شريكاً في إنتاج ما يشتكي منه.
هذه ليست جملة مريحة، وربما لهذا السبب نتجنبها.
اعتدنا أن نضع الدولة في قفص الاتهام، وفي كثير من الحالات هي تستحق النقد والمساءلة. هناك قرارات سيئة، وإدارات فاشلة، وبيروقراطية، وغياب للعدالة في بعض الملفات، وممارسات يجب أن تُحاسب عليها المؤسسات والمسؤولون.
لكن ماذا يحدث عندما تنتهي مسؤولية الدولة ونصل إلى مسؤوليتنا نحن؟
هنا يبدأ السكوت.
نحن نلعن الواسطة، ثم نبحث عن واسطة. نغضب من المحسوبية، ثم نسأل أول سؤال عندما نريد خدمة، من تعرف؟. نطالب بالقانون، لكننا نريد أحياناً أن يكون القانون صارماً مع الآخرين ومرنا معنا.
نريد الشفافية، لكننا لا نمانع في الحصول على امتياز لا يستحقه غيرنا.
هذه ليست مجرد تناقضات فردية. الخطر يبدأ عندما تتحول إلى سلوك جماعي مقبول.
عندما يصبح الشخص الذي لا يستعمل علاقاته غبيا في نظر الآخرين، وعندما يصبح الذي يجد طريقا مختصرا “قافزاو شاطر”, فهنا لا يعود الفساد مجرد فعل يقوم به مسؤول.
الفساد يصبح ثقافة. وهذه هي النقطة التي تجعل مالك بن نبي أكثر إزعاجا لنا اليوم. لأن بن نبي لم يكن يبحث عن تفسير سهل للتخلف. لم يكن يريد أن يقول لنا إن كل مشاكلنا سببها الآخرون، ثم يتركنا مرتاحين.
كان يسأل عن الداخل. عن الإنسان. عن المجتمع الذي يستطيع أن يعيش طويلا مع مشكلات يعرف أنها تدمره.
خذ الواسطة مثالا، المجتمع يعرف أنها تقتل تكافؤ الفرص. يعرف أنها تجعل الكفاءة أقل قيمة من العلاقة. يعرف أنها تظلم شخصا لكي تمنح شخصاً آخر أفضلية لا يستحقها. ومع ذلك، عندما يحتاجها أحدنا، تتغير القصة. فجأة تصبح الواسطة “مساعدة”. وهنا تكمن الكارثة.
أن نعرف أن الشيء خطأ، ثم نبحث عن اسم أجمل له عندما نحتاجه. الأمر نفسه يحدث مع المال العام. نحن جميعنا نغضب عندما نسمع عن تبذير المال العام، لكن هل نشعر بالقدر نفسه من الغضب عندما نرى شخصا يتعامل مع الممتلكات العامة وكأنها بلا صاحب؟ قاعة رياضية تابعة للدولة، حديقة، مدرسة، شارع، حافلة، مؤسسة.
كلها ملك للجميع. لكن ما هو ملك للجميع يتحول أحيانا في وعينا إلى شيء لا يخص أحداً.
وهنا تبدأ المشكلة، لأن المواطن الذي لا يشعر أن المال العام ماله. ثم نذهب في المساء لنتحدث عن سوء التسيير.
لكن المفارقة المؤلمة.
هي اننا نحن نطالب بالدولة التي تحترم القانون، لكننا لا نمارس دائما احترام القانون في حياتنا اليومية. نريد إدارة نظيفة، لكننا نعتبر الموظف الذي “يدبر لنا الأمور أفضل من الموظف الذي يطبق النظام. نريد الكفاءة، لكننا نربي أبناءنا أحيانا على أن الشهادة وحدها لا تكفي، وأن الطريق الحقيقي يمر عبر الأشخاص والعلاقات.
ثم نتساءل لماذا لا تتقدم الكفاءة.
كيف ستتقدم؟
إذا كانت الرسالة التي يتلقاها الشاب منذ البداية هي أن الجهد وحده لا يكفي، فلماذا يستغرب عندما يبحث عن طريق آخر؟
هنا لا يعود السؤال متعلقا بالجيل الجديد وحده.
إنه متعلق بنا نحن و بالرسائل التي نعطيها لأبنائنا.
وبالأشياء التي نكافئها داخل المجتمع.
نحن نقول للشاب، اجتهد. ثم نريه شخصا وصل قبله لأنه يعرف الشخص المناسب.
نقول له، كن نزيها. ثم نطلب منه أن يفهم كيف تسير الأمور. نقول له، احترم القانون.
ثم نعلمه أن هناك دائما طريقة للالتفاف عليه.
ثم نغضب عندما يصبح لا يثق في النظام.
أي تناقض أكبر من هذا؟
لهذا فإن إصلاح المجتمع ليس مجرد بناء مؤسسات جديدة.
يمكنك أن تبني أحدث مؤسسة، وتضع على بابها أجمل الشعارات، وتزودها بأحدث الأجهزة، ثم تضع داخلها العقلية نفسها التي كانت سببا في فشل المؤسسات القديمة. والنتيجة ستكون نفسها.
ربما بواجهة مسبوغة بلون آخر أكثر جمالا.
هذه هي قيمة فكرة مالك بن نبي عندما نخرج بها من الكتب ونضعها في الشارع.
المشكلة ليست فقط في الأشياء التي لا نملكها.
المشكلة في الطريقة التي نتعامل بها مع الأشياء التي نملكها. وليست المشكلة دائماً في غياب القانون. أحيانا تكون في أننا لا نريد القانون إلا عندما يكون في صفنا. وليست المشكلة دائما في غياب الفرص. بل في أننا لا نؤمن بالكفاءة عندما لا تكون كفاءتنا نحن. ولا يعني هذا أن المواطن هو المسؤول عن كل شيء.
هذه مغالطة خطيرة. الدولة مسؤولة عن توفير العدالة، وعن محاربة الفساد، وعن حماية الحقوق، وعن بناء مؤسسات لا تعتمد على الأشخاص والعلاقات. لكن المجتمع مسؤول أيضاً عن رفض أن يكون جزءا من المشكلة. وهنا يجب أن نتوقف عن استخدام عبارة الجميع يفعل ذلك كأنها عذر.
الجميع لا يفعل ذلك.
وهناك أناس يعملون بضمير، ويرفضون الرشوة، ويحترمون القانون، ويؤدون أعمالهم دون انتظار مقابل شخصي. لكن هؤلاء غالبا لا يصنعون اللغط.
أما السلوك السيئ، فعندما يتكرر ويصبح مألوفا، يبدأ في البروز وكأنه الشيئ الحقيقي.
وهنا يحدث أخطر شيء، يتوقف المجتمع عن الشعور بأن الخلل خلل.
عندما يصبح تجاوز الدور أمرا عاديا، لا نسميه فوضى. عندما تصبح الواسطة طريقا ، لا نعود نسميها فسادا، عندما يصبح الغش وسيلة للنجاح، لا نسميه بعدها غشا. عندما يصبح احترام القانون استثناء، يصبح المخالف للقانون هو الشخص الذي يبدو غريبا. وهنا، يصبح المجتمع أمام أزمة حقيقية. لأن تغيير الأشخاص أسهل بكثير من تغيير هذه الذهنبة.
قد يتغير الوزير.
قد يتغير المدير.
قد يتغير القانون.
لهذا فإن السؤال الذي يجب أن نطرحه اليوم ليس فقط، لماذا لا تصلح الدولة نفسها؟
بل أيضا، لماذا نقبل نحن بأن نكون جزءا من دولة نشكو منها كل يوم؟
هذا السؤال لا يبرئ الدولة. لكنه يمنعنا من الكذب على أنفسنا.
والمجتمع الذي لا يستطيع أن يرى عيوبه لن يستطيع أن يصلحها. ربما لهذا نحتاج إلى قراءة مالك بن نبي مرة أخرى، لا باعتباره مفكرا نقتبس منه، وإنما باعتباره شخصا يجبرنا على النظر في المرآة. إنها تقول لنا إن بعض ما نلعنه في الدولة نمارسه في حياتنا الخاصة. وإن بعض ما نرفضه عندما يقع علينا، نقبله عندما يخدمنا.
وإن التغيير الذي نطالب به من الآخرين لن يحدث إذا لم نكن مستعدين لدفع ثمنه في سلوكنا نحن.
فالدولة التي نشتكي منها ليست دائما شيئا نزل علينا من السماء. في جزء منها، هي انعكاس لما قبلناه، وما سكتنا عنه، وما مارسناه، وما علمناه لأبنائنا. وهذه ربما هي الحقيقة الأكثر إزعاجا في فكرة مالك بن نبي.
قبل أن نسأل لماذا لم تتغير الدولة، علينا أن نمتلك الشجاعة لنسأل لماذا لم نتغير نحن؟