كتاب وشعراء

قراءةٌ نقديةٌ في نصِّ: “الحب رقم صفر” للكاتبةِ السورية: ” فريال يزن”.. بقلم الناقدة: ليلى صليبي.

الحب رقم صفر..
بقلم الكاتبة المبدعة: فريال يزن

توقّف المطر، بعد ما استمر طوال الليلة الماضية. خرجت أمشي في شوارع المدينة الغارقة ببرك الماء العشوائية، المتشكِّلة جراء المطر الغزير، اعتمرت قبعة علّها تستطيع إيقاف ضجيج الأسئلة المحموم في رأسي، من الصعب الحفاظ على القدمين جافين وأنت تقفز بين بركة ماءٍ و آخرى، ضاعت معظم ملامح هذه المدينة جراء الحرب، تغيَّرت، تشوَّهت، مثل نفوس معظم قاطنيها، كلّ الأفكار التي تراودني لم تستطع إنقاذي من التفكير بعلياء.
تلك الشَّابَّة الجميلة ذات الشعر الأشقر القصير، والقدّ الممشوق، كأنَّه منحوتة فنية، يحضرني عطرها المتمرِّد هل تستطيع الذاكرة استرجاع العطر؟ أم للذكريات رائحة أصحابها؟ ها هي ضحكتها تقتحم الذاكرة، يحدث أن للضحكة صدى، رنين، أما هي فلضحكتها لون، أجل لها لون يشبه بساتين اللوز المزهرة.
كان لقاؤنا الأخير قبل أربعين يوماً، وللرقم أربعين دلالة غريبة، فبعد ولادة المولود بأربعين يوماً نقيم له احتفالاً، وبعد رحيل المرء بأربعين يوماً تقام له صلاة لراحة نفسه، فماذا عليّ أن أقيم؟ وقد ولد في نفسي سؤال؟ ورحل حبٌّ الحب الأول.
ويهاجمني سؤال: ماذا قبل الرقم واحد؟ هل يوجد شيء؟! ماذا قبل الحب الأول؟
كان اللقاء فقيراً، هي بضع كلمات بعد أن قدمت لي صندوقاً صغيراً يحتوي بعض سخافات العشَّاق، التي تصبح رصيد ذكريات، ومن ثم تتحوَّل إلى عبء ثقيل.
-سألتها: ماذا حدث؟
-في مدينتي يصادرون الحبَّ مثل كل الممنوعات.
-فلنتعاطَ الحبَّ سرَّاً.
-سيقبض علينا متلبسين بجرم النقاء.
-لكن ماذا حدث؟
-صادروا حبِّي لك لأنَّ الحب ممنوع.
وهكذا انتهى كلّ شيء ببضع كلمات، مثلما ابتدأ ببضع ابتسامات وبضع أمنيات.
يدهشني ارتياحي لأنها لم تمنحني شرف الدفاع عن حبنا، وربما لأنني خائر الأحلام مهدّم الأفق كمدينتي. في مدينتي صادروا أحلامي، لهفتي، وشغفي بكل شيء، وهاهم مؤخراً صادروا حبي الأول.
ومن جديد يلوح لي سؤال ماذا قبل الرقم واحد؟
السماء مكفهرة مثل قلبي المتكدّر، وعاد المطر لكن بسكينة كأنما رقَّ لحالي، ينبثق من أعماق الذاكرة طيف لطيف، هادئ، ساكن، فتاة صغيرة تقاسمت معها الدرب إلى المدرسة في تلك القرية الريفية البعيدة، في عينيها تنام مروج خضراء، لهونا معاً ببرك الماء، بعد المطر، و كمخبول بدأت أقفز عابثاً فوق البرك، كأن ذلك الطفل تلبسني، ذات أمسية أمسكت يدها وعدونا في الظلام بعد أن أخافتها حكايات جدتي عن الجن، وعند الباب بدونا كشبحين صغيرين لثمت خدها خلسةً توهج مُحياها، دلفت للداخل وعدت أدراجي ليبتلعني سكون الليل.
وألتقط الإجابة: إنه الصفر قبل الواحد، إنها الحبيبة رقم صفر، قبل الحبيبة الأولى، فالطفل دائم التشبث بأمه ففي داخل أحشائها وطنه الأول قبل منزله الذي أبصر النور فيه، والروح دائمة الحنين إلى الجذوة التي انبثقت منها.
وأعيد ذلك في نفسي أجل يوجد الصفر قبل الواحد الحب رقم صفر تلك النبتة البرية التي تشبه فطرة الإنسان النقية، تنمو دون قيد أو شرط فتختبئ بين طيات النفس وفي خلجات الروح فتنجو من المصادرة.
أخلع قبعتي أرفع وجهي للسماء، أحرّر أفكاري من حزني، يغسل المطر روحي وقلبي، وأطوي صفحة خيبة آخرى.

قراءة نقدية في نص: “الحب رقم صفر” بقلم الناقدة اللبنانية: ليلى صليبي

في «الحب رقم صفر»، تنسجُ الكاتبةُ فريال قاصم نصَّاً سرديَّاً يتكئُ على الذاكرةِ كونها آخرَ حصونِ الإنسانِ في مدينةٍ أنهكتْها الحربُ، فحينَ تتشوّهُ الأمكنةُ وتُصادرُ الأحلامُ، يبقى في أعماقِ الروحِ شيءٌ لا تطالُه يدُ الخرابِ: الحبُّ في صورتِه الأولى، النقيّةِ، التي لم تدخلْ بعدُ في حساباتِ الواقعِ.

يبدأُ النصُّ بالمطرِ، وينتهي به؛ وبين المطرين رحلةٌ داخليةٌ من السؤالِ إلى الاكتشافِ. فالمدينةُ المبللةُ ليستْ مجرّدَ فضاءٍ حكائيٍّ، بل صورةٌ للذاتِ المنهكةِ: «تغيرت، تشوهت، مثل نفوس معظم قاطنيها». ومن هذا الخرابِ الخارجي ينبثقُ الخرابُ الداخلي، فتستدعي الذاكرةُ علياءَ، لا باعتبارِها امرأةً فحسبُ، بل بوصفِها أثراً حسيَّاً مازالَ يقاومُ الغيابَ: عطرها، ضحكتها، ولون تلك الضحكة الذي يشبه «بساتين اللوز المزهرة».

وتتوهّجُ في النصِّ ثنائيةُ المطرِ والذاكرةِ؛ فالمطرُ يستحضرُ الماضي كما تستحضرُ الرائحةُ أصحابَها، وكأنَّ الحواسَ تمتلكُ مفاتيحَ سريةَ للزمنِ.

غيرَ أنَّ السؤالَ المحوري: «ماذا قبل الرقم واحد؟»، ينقلُ النصَّ من الحكايةِ العاطفيةِ إلى فضاءٍ تأمليٍّ فلسفيٍّ. فالكاتبُ لا يسألُ عن الحبِّ التالي، وإنّما يبحثُ عن الأصلِ الذي سبقَ ما اعتقدَ أنّه «الحبُ الأولُ». ومن هنا يصبحُ الرقمُ أربعين، بما يحملُه من إيحاءاتِ الفقدِ والانتقالِ، جسراً بين حبِّ وُلدٍ في الروحِ وحبٍّ أُجبرَ على الرحيلِ.

أمّا الحوارُ مع علياء، فيختزلُ مأساةَ النصِّ كلِّها:

«في مدينتي يصادرون الحب مثل كل الممنوعات.»

إنّها ليستْ جملةً عاطفيةً فحسبُ، بل إدانةٌ لعالمٍ أصبحتْ فيه المشاعرُ الجميلةُ جريمةً. وتبلغُ المفارقةُ ذروتَها في عبارةِ: «سيقبض علينا متلبسين بجرم النقاء»؛ فالنقاءُ، في مدينةٍ أفسدتْها الحربُ، يتحوّلُ إلى فعلِ مقاومةٍ.

لكنْ أجمل انعطافةٍ في النصِّ تأتي حين تنفتحُ الذاكرةُ على الطفولةِ، فتظهرُ فتاةُ المدرسةِ الصغيرةِ، وبركُ الماءِ، والخوفُ من حكاياتِ الجدّةِ، والقبلةُ الخجولةُ التي تختزنُ براءةً لم تلوثْها الحساباتُ. هنا يكتشفُ الساردُ أنَّ الحبَّ الذي يبحثُ عنه لم يبدأْ مع علياءَ، بل كانَ هناك قبلَها، في مكانٍ أعمقَ من الوعي.

وهنا يتشكّلُ المعنى الحقيقي للعنوان: «الحب رقم صفر».

الصفرُ ليس عدماً، بل بدايةً خفيةً تسبقُ الواحدَ؛ مساحةُ الأصلِ قبلَ أن يبدأَ العدُّ. إنّه الحبُّ الفطري الذي لم يُسمَّ ولم يُعلنْ، ولذلك لم تستطعِ المدينةُ مصادرتَه. ومن ثمّ يصبحُ الصفرُ رمزاً لما هو أسبقُ من العلاقاتِ: الأمِّ،والوطنِ الأوّلِ، والطفولةِ، والجذوةِ التي انبثقتْ منها الروحُ.

واللافتُ أنَّ النصَّ لا ينتهي بانتصارِ الحبِّ على الواقعِ، بل بانتصارِ الذاكرةِ على المصادرةِ. يعودُ المطرُ، لكنّه لم يعدْ مطراً يغرقُ مدينةً مثقلةً بالخرابِ، بل ماءً يطهّرُ القلبَ:
«يغسل المطر روحي وقلبي.»

وبذلك يكتملُ القوسُ الدلالي للنصِّ: يبدأُ المطرُ بوصفِه امتداداً للحزنِ، وينتهي بوصفِه فعلَ تطهيرٍ؛ ويبدأُ الساردُ بسؤالٍ عن حبٍّ ضائعٍ، وينتهي باكتشافِ حبٍّ أقدمَ من الضياعِ.

الكاتبةُ فريال قاصم لا تُكتبُ هنا عن حبيبةٍ غائبةٍ فحسب، بل عن إنسانٍ تحاولُ الحربُ أن تنتزعَ منه حقَّه في الحلمِ والحبِّ، فيكتشفُ أنَّ أعمقَ ما فيه لا يخضعُ للمصادرةِ.

إن «الحب رقم صفر» نصٌّ عن الحبِّ حين يعودُ إلى منبعِه الأوّلِ؛ عن الطفولةِ بوصفِها ذاكرةً نقيّةً؛ وعن الإنسانِ حين يجدُ في داخلِه وطناً صغيراً لا تستطيعُ الحروبُ احتلالَه.

وربّما لهذا كان الصفرُ أجملَ من الواحدِ؛ لأنّه ليس بدايةَ الحبِّ، بل ذاكرتَه الأولى.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى