
كيف تنام…
يا من اشتعلت في خطاكَ النيران؟
كيف تنام…
والغابةُ تحترق،
والليلُ يختنقُ بالدخان،
وصوتٌ من بين اللهب
ينادي:
يا يَمّا…
رجلٌ يصارع النار،
بيديهِ العاريتين،
كأنّه يعانقُ الموت
ليؤخّره عن الآخرين…
يناديها،
لعلّ النار ترحم،
لعلّ اللهبَ يسمع
وجعَ إنسان…
لكنها كانت تمضي،
تلتهمُ شجرةً،
وتحتضنُ بيتاً،
وتترك خلفها
رمادَ أحلامٍ
كانت بالأمسِ خضراء.
ثم جاءت الصرخة…
يا يَمّا!
صرخةٌ واحدة
اهتزّت لها الجبال،
وتوقَّفت عندها الريح،
وانحنى لها الليل
خجلاً من قسوته…
صرخةٌ
لم تكن نداءَ رجلٍ فقط،
كانت نداءَ وطنٍ
يحترق…
كانت أمَّاً
تبحث في الدخان
عن ابنها،
وكان ابناً
يبحث في النار
عن نجاة أهله.
يا ليتَ للضلوعِ قلبًا
يتحمّل هذا الوجع…
يا ليتَ للدمعِ
قدرةً على إطفاء الحريق…
يا ليتَ للأم
ذراعين أطول
من ألسنة اللهب،
كي تضمّ ابنها
قبل أن يغيب…
النارُ تُحرق،
لكنها لا تستطيع
أن تحرق الذاكرة.
والأجسادُ قد ترحل،
لكن الصرخة
تبقى…
تبقى «يا يَمّا»
معلّقةً في سماءِ الجزائر،
تكتبها الريح
على جذوع الأشجار،
وتحفظها الجبال،
وترويها الأجيال.
سيأتي يومٌ
تنطفئ فيه النار،
ويعود الأخضرُ
إلى الغابة،
وتعود الطيور
إلى أعشاشها…
لكن صوت الأم
لن ينطفئ.
سيبقى هناك،
بين رماد الأمس
وأغصان الغد…
شاهداً
أن الإنسان
حين يحترق وطنه
لا يملك إلا أن ينادي:
يا يَمّا…
يا جزائر…
يا وجعاً لا يموت.
بقلم: خيرة داود