برحايل حمزه يكتب :تصدع العولمة: كيف يعيد التنافس التقني وصراع الممرات التجارية تشكيل خريطة العالم؟

لم يعد العالم يعيش مرحلة “القرية الكونية” المفتوحة كما تصورها الخطابات الأولى للعولمة. لكن ذلك لا يعني أن العولمة انتهت؛ بل إنها تدخل مرحلة جديدة، تتغير فيها قواعد التجارة والتكنولوجيا وسلاسل الإمداد وفق اعتبارات الأمن والمرونة والسيطرة الاستراتيجية. فما الذي يحدث خلف الكواليس؟
العالم اليوم لا يتجه ببساطة نحو الانفصال، بل نحو إعادة هندسة للعولمة، حيث يتداخل الاقتصاد مع الجغرافيا السياسية بصورة أكثر وضوحاً، ويتحدد التنافس على جبهتين رئيسيتين:
1. التنافس التقني (حرب الرقائق والذكاء الاصطناعي):
_ سيادة التكنولوجيا: لم تعد القوة تُقاس فقط بالموارد والمساحة الجغرافية، بل أيضاً بالقدرة على امتلاك التكنولوجيا المتقدمة والتحكم في مفاتيح الابتكار.
_ سلاح سلاسل الإمداد: تحولت الرقائق الإلكترونية، والبنى الرقمية، وتقنيات الذكاء الاصطناعي إلى عناصر مؤثرة في القوة الاقتصادية والاستراتيجية، وأصبحت السيطرة على بعض حلقات إنتاجها ورقة ضغط في العلاقات الدولية.
_ نحو السيادة الرقمية: تسعى القوى الكبرى إلى تقليل نقاط الضعف التقنية، وتنويع مصادر التوريد، وبناء قدرات محلية أو شراكات أكثر أماناً في القطاعات الحساسة.
2. صراع الممرات التجارية (إعادة رسم جغرافية التجارة):
_ سباق الطرق البديلة: يتزايد الاهتمام بالممرات البحرية والبرية الاستراتيجية، ليس فقط لتقليل المسافة والتكلفة، بل أيضاً لتقليل مخاطر الاضطرابات الجيوسياسية.
_ تجاوز الطرق التقليدية: تظهر مشاريع ومبادرات جديدة لإعادة توزيع حركة التجارة والطاقة، مثل ممر الهند–الشرق الأوسط–أوروبا (IMEC)، إلى جانب مسارات وممرات أخرى تسعى إلى إعادة تشكيل جغرافية التجارة العالمية.
_ الأمن قبل الكفاءة المطلقة: لم تعد الشركات والدول تنظر إلى سلسلة الإمداد من زاوية التكلفة الأقل فقط، بل أصبحت المرونة والأمن وتنويع المخاطر جزءاً أساسياً من الحسابات الاقتصادية والاستراتيجية.
الخلاصة:
نحن لا نشهد نهاية التجارة العالمية، بل “إعادة هندستها”. فالعولمة التي قامت طويلاً على منطق الكفاءة وخفض التكلفة تواجه اليوم منطقاً جديداً يقوم على المرونة، والأمن، والسيطرة على نقاط الاختناق الاستراتيجية.
وفي هذا التحول، لن تكون التكنولوجيا والممرات مجرد أدوات اقتصادية، بل ستصبح جزءاً من بنية القوة نفسها. لذلك، فإن السؤال لم يعد: هل ستنتهي العولمة؟ بل: من سيملك القدرة على تشكيل قواعد العولمة الجديدة؟
_ سؤال للنقاش:
برأيك، هل يمكن أن يفتح هذا التحول في العولمة فرصاً جديدة للدول النامية لبناء قدرات إنتاجية وتقنية أكثر استقلالية، أم أنه سيعيد توزيع نقاط الضعف والاعتماد بصورة جديدة؟