رؤي ومقالات

سمير زين العابدين يكتب :قراءة في تداعيات دمج الكوادر المدنية بالأكاديميات العسكرية

شهدت المنظومة الإدارية والتعليمية في مصر مؤخراً تحولاً جذرياً أثار الكثير من النقاش في الأوساط السياسية، العسكرية، والإدارية؛
وتمثل هذا التحول في جعل الأكاديمية العسكرية المصرية ممراً إلزامياً وبوابة أساسية لقبول وتعيين الخريجين الجدد في الوظائف المدنية البسيطة والمتوسطة، مثل المعلمين، المهندسين، وموظفي النقل والقضاء.
وبموجب هذا النظام، يخضع المتقدمون لدراسة داخلية صارمة تطبق معايير الانضباط العسكري كالطوابير الصباحية والتدريبات البدنية الشاقة.
ولا يقف الأمر عند تغيير الآليات، بل امتد ليشمل تعديل الأسماء التاريخية العريقة كـ “الكلية الحربية” و”أكاديمية ناصر العسكرية العليا”
أولاً: مغالطة الانضباط السلوكي وفلسفة الإدارة الحديثة
تستند الرواية الرسمية في تبرير هذا الدمج إلى رغبة السلطة في صناعة جيل يتمتع بـ “الالتزام المطلق، والنزاهة، ومحاربة الفساد والبيروقراطية المترهلة”.
إلا أن علوم الإدارة الحديثة وتجارب الدول الناجحة (مثل سنغافورة ورواندا) تثبت أن هذه المستهدفات لا علاقة لها بحلق الشعر أو الطوابير العسكرية؛
فالنزاهة والالتزام بمواعيد العمل هي نتاج لتفعيل القوانين الصارمة، وتطبيق أنظمة الحوكمة الرقمية التي تلغي التدخل البشري والمحسوبية، واعتماد مؤشرات الأداء الحقيقية (KPIs).
علاوة على ذلك، فإن الإدارة الناجحة تقوم على مبدأ “القيادة بالقدوة”؛ فإذا لم يكن الرؤساء والمديرون المدنيون في مؤسساتهم على قدر من الكفاءة والنزاهة، فإن أي جرعة انضباط مؤقتة تلقاها الموظف الجديد داخل الأسوار العسكرية ستتبخر فور انخراطه في بيئة العمل المدنية التقليدية.
فالعمل المدني بطبيعته (خاصة في مجالات كالتعليم والابتكار) يتطلب تفكيراً نقدياً، مرونة، وحرية في النقاش، وهي مبادئ تتناقض تماماً مع العقيدة العسكرية القائمة على الطاعة العمياء وتنفيذ الأوامر دون نقاش.
ثانياً: تآكل “الخصوصية العسكرية” وأحزان المحاربين القدامى
من زاوية أبناء المؤسسة العسكرية أنفسهم، يُنظر إلى هذه التحولات بمرارة وحزن شديدين.
فالكلية الحربية تاريخياً لم تكن مجرد معهد للتنمية البشرية أو التقييم السلوكي لموظفي الدولة، بل كانت صرحاً استثنائياً ذا قدسية خاصة، صُمم لصناعة المقاتلين وبناء العقيدة القتالية الحصرية للدفاع عن حدود الوطن والشهادة في سبيله.
إن تحويل هذا الصرح الإداري إلى ساحة مكدسة بآلاف الموظفين المدنيين المؤقتين الذين يدخلون ويخرجون كل بضعة أشهر، يترتب عليه تداعيات معنوية خطيرة:
تذويب الهوية الخاصة:
تغيير الأسماء التاريخية الراسخة يمحو رمزية وجدانية ارتبطت بأسماء قادة عظام وشهداء، ويحرم الأجيال القديمة من فخرهم الحصري بكلياتهم التي عاشوا فيها ذكريات الزمالة والمصير المشترك.
تبديل الرمزية العسكرية:
عندما يصبح الزي العسكري والتقاليد الصارمة مشاعاً مفروضاً على “كل مَن هب ودب” لمجرد الحصول على وظيفة مدنية، تفقد الهالة العسكرية بريقها وقيمتها المعنوية.
الفجوة الجيلية:
تنشأ الأجيال الجديدة من الطلبة العسكريين في بيئة هجينة لا تدرك قيمة الخصوصية التي تآكلت، مما قد يؤثر على المدى الطويل على تماسك الذاكرة المؤسسية.
ثالثاً: الأبعاد السياسية واستراتيجية السيطرة والولاء
إذا تجاوزنا المبررات الإدارية والمظهرية، نجد أن التفسير البنيوي العميق لهذا النظام يتلخص في الرغبة في “تنميط المجال العام” وترسيخ عقيدة الامتثال؛ فالهدف الضمني هو صياغة وعي جمعي للموظفين يميل تلقائياً نحو عدم الاعتراض أو النقد، وضمان السيطرة الكاملة على مفاصل الجهاز البيروقراطي للدولة من أسفله إلى أعلاه لمنع أي تحركات فئوية مستقبلاً.
كذلك، يعكس هذا السلوك طبيعة الأنظمة شديدة المركزية، حيث تظهر أفكار ومشاريع فجأة في رأس السلطة دون دراسات جدوى معلنة أو نقاش مجتمعي، ليتم فرضها فوراً وتسخير الآلة التنفيذية والإعلامية لترويجها كإنجازات شخصية مرتبطة باسم القائد ورؤيته المفروضة فوقياً لبناء الدولة.
خاتمة
في النهاية، يُظهر هذا التحول خطورة إقحام المؤسسة العسكرية العريقة في الشأن الإداري اليومي للمدنيين؛ فالإصلاح الحقيقي للجهاز الإداري للدولة يمر عبر تطوير التعليم المدني، وإرساء سيادة القانون، وتفعيل الحوكمة، وليس عبر “عسكرة الوظائف”.
إن الحفاظ على مهنية المؤسسة العسكرية وصيانة هيبتها العريقة ورموزها التاريخية هو الضمانة الحقيقية لبقائها درعاً قوياً يحمي الوطن، بدلاً من استهلاك رصيدها المعنوي في تجارب إدارية وسياسية عابرة لا تخدم صلب تخصصها.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى