
#امرأة تشبه يدي..
هذا الصباح.. مرت بي امرأة تشبه يدي…لم أرها.
عرفتها من أصابعي وهي تعبر شعري.. من انثناءة الكف فوق الرأس.. من خصلة شاردة رددتها إلى مكانها بحركة لم يعلمني إياها أحد… ومع ذلك عرفتها يدي.
توقفت…كان في أطراف أصابعي أثر حناء لم أضعها.. رائحة خضراء ندية.. فيها ورق مسحوق بين حجرين.. وطين شرب أول المطر.. ودفء كف كانت تعرف من رأسي مواضع التعب قبل أن أعرفها أنا.
رفعت يدي إلى وجهي…فنهضت أمي من أصابعي.
كنت أظن أن الجسد سيرة صاحبه وحده.. فإذا بي أحمل في حركة صغيرة تاريخ امرأة كاملة..ميلة رأسها حين تصغي…انثناء أصابعها حول الأشياء الهشة…ذلك الرفق الذي كانت تغلق به الباب كأن للنائمين أرواحا من زجاج…وكسرة خافتة في آخر الكلام.. أسمعها الآن في صوتي.. فألتفت إلى نفسي كأن امرأة بعيدة نادتني من داخل حنجرتي.
وكان لك مع صوتي سر لا تعرفه الحناجر يا أمي…يوم اتخذ الصمت حنجرتي مقاما.. كنت وحدك تقرئين ارتعاشة فمي قبل الحرف.. وتلتقطين من عيني الجملة وهي بعد في غيب الكلام.
لم تكوني تنتظرين أن أتكلم…كنت تدخلين إلى المعنى من بابه الذي يسبق اللغة.
لم تكوني تسمعين صوتي يا أمي…كنت تسمعينني قبل أن أصير صوتا.
وحين عجز فمي عن حملي…حملتني أنت.
أمي…
بأي هندسة من المحبة وزعت نفسك فيّ دون أن تخبريني؟
لم تستقري في عيني أو فمي كي يكتفي العابرون بقولهم.. تشبه أمها..اخترت مواضع أعمق من الشبه..طريقة احتمالي للألم…ارتباكي أمام دمعة…يدي حين ترفق بشيء قابل للكسر…وصمتي حين يصبح الكلام أقل مقاما مما في القلب.
حتى يدي لم تسلم منك.
أمدها إلى الماء.. فتخرج يدك من كمي.
أطوي ثوبا.. فتستقيم طيتك تحت أصابعي.
أمر أمام المرآة.. فلا أرى وجها يشبه وجها.. أرى نسبا خفيا لا تثبته الملامح.. كأن طول المحبة أتعب الشبه من الإقامة في البشرة… فهاجر إلى الروح.
وفي بعض حركاتي أفاجئك متلبسة بي..
التفاتة منك…رفق منك…ويد تمر على شعري.. فلا أدري أأنا التي ألمس رأسي.. أم أن أصابعك ما زالت تحفظ الطريق إليه.
حتى الحناء التي كانت تخضر كفيك.. ثم تهدأ عليهما إلى لون الأرض بعد المطر.. بقي منها في ذاكرتي عطر صغير عصي على اليباس.
ما أفقر الصور أمام الأمهات…الصورة تحفظ وجها واحدا..ونحن نحمل منهن ما لا يحصيه إطار..خوفا ظل واقفا خلف العين…وجعا خبئ في ثنية ثوب…ودعاء خرج ذات فجر من فم أم.. وما زال يمشي أمام ابنتها.. يصل قبل خوفها إلى الباب.. وقبل تعثرها إلى يد خفية تسندها.
والتراب أقل إحكاما مما يزعم.
يأخذ جسدا…وتفوته التفاصيل.
تفوته يد خبأت دفأها في يد..وصوت دس طبقته الأحن في صوت..ونظرة تركت ضوءها في عين..يتقدم إلى وجهي شيء منك على مهل…ويهبط صوتي نحو طبقتك…أما يدي فتتذكر ما لم أعشه بها.
ومن منا بقي في الأخرى يا أمي؟
أنا التي أمشي ببعضك…
أم أنت التي ما زلت تمشين بي؟
يدي تعرفك…صوتي يشي بك…وصمتي لغتك…وحدها المرآة لا تحسن النسب.
كلما أوغل بي العمر.. اختلط عليها الوجهان…حتى أخشى أن أفتحها ذات صباح فلا أجدني أكبر فيها…أجدك تكتملين.
#امي