رؤي ومقالات

حمزه الحسن يكتب : السلطة والشرف

منذ حوالي ربع قرن ونحن نبحث عن ” سلطة شريفة” ولم نترك وسيلة وطريقة إلا وجربناها بحثاً عن سلطة شريفة ولم نجد بل يحدث العكس رغم طقوس الاحتفالات بكل حكومة جديدة ثم نكتشف اننا وقعنا في فخ منجور بدقة وبحثنا عن سلطة شريفة في السياسة كالبحث عن فيلة ترقص على أسلاك الكهرباء أو عن صوفيين ورهبان في بيوت الدعارة أو في الأقل العثور على شريف واحد كرئيس لجنة نزاهة.
مشكلة الخطاب الذكوري في كونه غير مدرك اغلب الاحوال لمضامينه حتى وان أظهر معارضته للسلطة في الشكل لكنه يتحدث بلغتها دون وعي لأن هذه المضامين صارت جزءاً من النسيج العقلي العضوي:
الكلام عن” سلطة شريفة وسلطة غير شريفة” يصدر
غالباً من نوايا اخلاقية طيبة لكن في الواقع ليست هناك سلطة شريفة او غير شريفة،
وهذه المفاهيم مستلة من القاموس المشرقي عن الشرف بالمعنى السائد وهو أهم من العلم والصدق والمعرفة والوضوح والنبل عند هذه الشعوب،
مع ان الشرف في العلم والابتكار والوضوح والجمال والابداع والتضحية وفي زرع الامل،
في اللطف والحساسية والرهافة والذوق وفي الصداقة والخ.
إن وجود سلطة شريفة في العالم كوجود رهبان وزهاد وصوفيين في شاطئ للعراة. هناك سلطة يحكمها القانون والرقابة وتراث البلد السياسي وحيوية الناس: السلطة والشرف أمران متناقضان .
السلطة كيان بلا ضمير، بتعبير البير كامو، لأنها مؤسسة وتجمع مصالح واتفاق قوى مختلفة في النظر الى السلطة والحرية والثروة، وهي تعدد طبقات ومذاهب،
واذا استعمل معيار الشرف في بناء الدول، فهذا المعيار قابل للتأويل والتفسير من قبل كل طبقة وشريحة وجماعة والخ.
مناشدة ضمائر وشرف وزراء واعضاء البرلمان لوقف الفساد في دولة بلا قانون وتأسست على قواعد خاطئة وعلى أسس غير سليمة، وترسخت بقوة المال والسلاح والاتباع والشركات والنهب كمناشدة ذئاب بالرفق بالحملان وعقل الذئب في أنيابه.
شرف السلطة في القانون وفي العدالة وفي الحقوق وفي وعي الناس، في الرقابة العامة والخاصة، وفي الضمانات الاجتماعية،
المال السائب في أكثر الدول تطرفا في الليبرالية يغري بالسرقة.
هنا يجب التفريق بين السلطة كمؤسسة سياسية متغيرة،
وبين الدولة كمؤسسة خدمات محايدة، ونحن نخلط بين الاثنين.
لا يمكن استعمال القاموس الذكوري المشرقي في النظر الى الحياة من زاوية انثوية في ان السلطة شريفة أو عكس ذلك.
عندما تحالفت السلطة الاجتماعية والسلطة السياسية في مراحل التاريخ على ” صيانة ” اللغة العربية وتقديسها ومنعها من التجديد عكس كل لغات العالم الحية الانكليزية والفرنسية والالمانية والاسكندنافية والاسبانية،
فليس هذا التحالف بريئاً: لأن السلطة لغة والحفاظ على السلطة يتطلب الحفاظ على القاموس المنتج لها والقاموس حارس التراتبية الطبقية لذلك كان المرحوم المفكر هادي العلوي قد ضرب عرض الحائط بقواعد اللغة العربية ولم يلتزم بها رغم انه ضليع بها لانها حامية مصالح عبر التاريخ. القواعد المحنطة سلطة.
يذكر المدعي العام في محكمة الجنايات العليا جعفر الموسوي انه حصل خلاف حول اعدام صدام حسين صباح العيد مع عادل عبد المهدي نائب الرئيس حول المادة القانونية التي تنص على تنفيذ الحكم “بمرور 30 يوماً” من تاريخ مصادقة محكمة التمييز.
ذهب نائب الرئيس عبد المهدي الى خبراء اللغة لتفسير النص حول المادة القانونية هل تنص على تنفيذ الحكم “بمرور 30 يوماً أم خلال 30 يوما”؟ من تاريخ مصادقة محكمة التمييز لتجنب مصادفة العيد وذهب نائب الرئيس الى التفسير اللغوي وليس القانوني. القاموس سلطة.
ألم يقل الشاعر جرير في لغة مشحونة بالسلطة الذكورية في رثاء زوجته خالدة بنت سعد:
“لو لا الحياء لهاجني استعبار ــــ ولزرت قبرك والحبيب يزار”
لماذا يخجل الشاعر جرير من زيارة قبر زوجته؟ البكاء على أطلال الحبيب مقبول ومتاح، بل التباهي بالتفاصيل الخاصة الحميمة مشروع في قاموس فحولي، لكن البكاء على قبر الزوجة زالرثاء خارج هذا القاموس وحتى الغزل فيها غير ممكن.
شرف السلطة الحقيقي ليس في السلطة، ولا في ضميرها لأنها مؤسسة بلا ضمير بل في قوة الشعب على خلق النظام السياسي السوي والعادل، وفي صناعة القوانين والدساتير،
والمشاركة في القرارات المصيرية عبر مجالس حقيقية
وفي اسقاطها اذا تطلب الامر، وفي قضاء مستقل ورصين وتداول حقيقي للسلطة وانتخابات نزيهة، وفي الغاء القداسة عن المسؤول.
شرف السلطة في ان يفصل الناس بين شخص الزعيم والمسؤول والحاكم وبين تاريخ أسرته وتقاليد الوجاهة والنضال والثروة والتراتبية الاجتماعية التي نعرف كيف تتأسس في العراق،
وفي حالات كثيرة أسس لصوص كبار وجاهتهم على أسس غير مشروعة تحولت مع الوقت والعادة الى تقاليد،
لأن الديمقراطية الحقيقية تتلخص في ” التجريد”،
أي الكفاءة الفردية والنزاهة والاخلاص دون أي عكازات عائلية أو قبلية أو دينية.
اذا كنا نحلم بدولة شريفة، وأدب شريف وثقافة شريفة،
فسنكتشف يوماً اننا أسسنا أسوأ سلط العالم،
ان لم يكن هذا قد حدث.
السلطة غير الشريفة منتوج شعب صنع بنطالاً ممزقاً من الخلف ويطالب بالحشمة.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى