
مازلتُ أحلم
كانَ العالمُ كلُّه
يخرجُ من نافذةٍ لا تُفتح
بمجرّدِ أن يبدأَ البثّ،
نتركُ أجسادَنا على السجّادة،
ونلوذُ بالضوءِ الوحيدِ في الغرفة
حينَ شهقَ «ألفريدو» شهقتَهُ الأخيرة،
لم يمتْ من صدرهِ
كانَ يستهلكُ هواءَ الغرفةِ كلَّه،
فصرنا نُقلّلُ أنفاسَنا،
كي لا يفوتَنا شيءٌ من المشهد
ومذ غابَ «فيتاليس» مع العاصفة،
كانتْ كلُّ خطوةٍ مشَتْها «ريمي» في الثلجِ
تخلعُ حذاءً من أقدامِنا؛
حتى انتهى بنا العمرُ
إلى المشيِ حفاة
حتى العليّةِ التي صعدتْ إليها «سالي»
كنّا نتحسّسُ البلاطَ الباردَ بأقدامِنا،
كأنَّ الشتاءَ خبّأ سرَّهُ هناك،
ثم نسيَ أن يعودَ لِأخذهِ
كانَ التيارُ في حيّنا
يُطفئُ العالمَ من تحتِ أعينِنا
فيصرخُ أبي من المطبخ:
«لا أحدَ يلمسُ السلك!»
فنعودُ إلى البيتِ دفعةً واحدة،
كأنَّ طفولتنا
كانتْ معلّقةً في ذلكَ السلك
لكنْ…
في الظهيرةِ التي بُثّتْ فيها «نهايةُ الرحلات»،
حينَ اقتربَ «السندبادُ» من النهاية،
انقطعَ التيارُ عن بيتِنا وحدَه
ركضَ إخوتي حفاةً
ليسرقوا النهايةَ من نافذةِ الجيران
شاهدوا ما حدث
وأنا
لم أشاهدْ شيئًا
خرجوا من الطفولةِ واحدًا بعدَ الآخر،
استخرجوا هويّاتِ الأحوالِ المدنيّة،
كبروا،
وصاروا آباءً
يكسو الشيبُ أسماءَهم
أمّا أنا،
فبقيتُ في الجهةِ الأخرى من الزجاج
هذا الرجلُ الذي يحملُ اسمي،
ويكبرُ بينكم الآن،
ليسَ أنا
ذلكَ العمرُ
الذي مشى بدلاً منّي
أنا عالقٌ في تلكَ الظهيرة،
فمازلتُ هناك؛
في العتمةِ نفسها،
بجوارِ «ألفريدو»،
أطرقُ بقبضتينِ صغيرتين
على زجاجِ التلفازِ القديمِ من الداخل،
لا لأُخرجَ منه…
بل لأوقظَ الكهرباء
وأنتظرُ
أن يعودَ الضوءُ
إلى المشهدِ الذي توقّفَ فيه عمري.
عباس علي 🇮🇶