كتاب وشعراء

في الساعات التي لا تترك ظلا.. فاطمة مولاي / المغرب

للجمعة باطن لا تهتدي إليه عقارب الساعات.. ينساب نهارها فوق عتبات البيوت.. ويدس في شقوق الأبواب ضوءا لا يختلف في لونه عن سائر الضوء.. غير أن له في الأرواح مسالك لا تعرفها النوافذ.. وفي ثنية من نسيج الوقت تستتر ساعة أودع الله فيها سر الإجابة.. تعبر الوجوه دون أن تستعير من ملامحها شاهدا.. وتمضي على الجدران دون أن تستوقف ظلالها.. وتمر بقلوب أمضت أعمارها تطرق بالدعاء بابا واحدا.. ثم شاخت أمنياتها على عتبته.. وبقيت لها أصابع تعرف هيئة الرجاء بعدما نسيت اليد سائر ما كانت تمتد إليه.
وفي البيوت مصاحف تعرف من أصابع أصحابها مواضع الوجع.. لكثرة ما عادت إلى الآيات نفسها بأحزان لم تكن في كل مرة على الهيئة ذاتها.. وسجادات انحنى وبرها تحت جباه أفضت إلى التراب بما استحال على القلوب احتماله.. كأن للأرض من سعة الإصغاء ما ضاقت عنه صدور البشر.. وأمهات يتهجأن أسماء أبنائهن في خفوت.. وقد أنفقن من العمر في الدعاء لهم ما جعل أسماءهن تتلعثم إذا حاولن الدعاء لأنفسهن.. وعلى رفوف الذاكرة أسماء غائبين سحبت الأيام مقاعدهم من البيوت.. وأبقت لهم في المناجاة مواضع لم تستطع السنون إخلاءها.. كأن الغياب يملك أن ينزع الإنسان من عنوانه الأرضي.. ويقف عاجزا عند الاسم الذي ما زال قلب آخر يرفعه إلى الله.. تسقط الأسماء من دفاتر الحياة.. وتبقى في سجلات الدعاء عصية على الشطب.
وبعض الأدعية تعتق في أفواهنا.. وتختزن من أعمارنا ذاكرة أوسع من الحاجة التي استدعتها أول مرة.. تمضي بنا الحياة.. وتتبدل مقاسات أرواحنا.. ونظل نستجدي ثوبا فصلناه ذات وجع على قياس جرح لم يعد يحتفظ بحدوده الأولى.. ونحمل إلى الله رغبات صانت ذاكرتنا أسماءها.. فيما تبدلت فينا الجهات التي كنا ننتظر مجيئها منها.. أيكون من خفي ألطاف الله أن يمهل أمنياتنا.. ريثما نكبر عن الحاجة التي أنجبتها؟
وفي آخر النهار.. والبيوت خارجة من جلبة الساعات إلى سكينة لا عقارب لها.. والسجادات عائدة إلى زواياها.. وخيوطها تسترد استقامتها على مهل.. يظل في موضع الجبهة دفء خافت لا تملك الأصابع أن تتحقق من مصدره.. كأن السجود استودع نسيجها من أسرار الساجد ما تجهله الجوارح التي أدته.. ولا تستعيده الذاكرة التي شهدته.. فالإنسان حين ينهض من سجوده يأخذ معه ثقل جسده.. وصوت دعائه.. وأسماء الذين حملهم إلى محرابه.. غير أن شيئا منه يتخلف في تلك المسافة الضئيلة بين التراب والجبين.. حيث انحنى بكل ما ألفه من نفسه.. ونهض وقد ترك في عهدة التراب سرا لم تتسع له بصيرته.. ثم يمضي إلى شؤون يومه.. يصافح الناس.. ويستأنف حديثه.. ويعود إلى مشيته الأولى.. غافلا عن أن في الأرض بقية من انحنائه لم تستقم معه.
فأي جزء من الإنسان يظل ساجدا.. بعدما تستقيم قامته بين الناس؟
جنيف ١٤/٠٨/٢٠٢٦

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى