
نشأت فكرة الأدب العالمي دعوةً إلى تجاوز الحدود القومية، وتبادل التأثير بين اللغات والثقافات. وقد عبّر غوته عن هذا التطلع بمفهوم «الأدب العالمي»، الذي يقوم على التعارف بين الآداب لا على ذوبانها في نموذج واحد. غير أن انتقال الفكرة إلى مؤسسات النشر والترجمة والنقد يطرح سؤالاً أساسياً: كيف نميز بين عالمية تنشأ من الحوار، وعالمية تتأثر بموازين القوة التي تحدد أي الأعمال تصل إلى القراء، وكيف تُقرأ حين تصل؟
أعني بالمركزية الغربية اختلالاً تاريخياً في توزيع فرص النشر والترجمة والتوزيع والاعتراف النقدي، لا كتلة ثقافية واحدة تتبنى موقفاً موحداً. فعندما تمتلك مؤسسات في لغات معينة موارد أوسع، تستطيع اختياراتها أن تؤثر في صورة الأدب الذي يمثل ثقافة ما لدى القراء خارجها. ولا تكمن المشكلة في اختيار ناشر عملاً يراه مناسباً، بل في تراكم هذه الاختيارات حتى تبدو بعض التجارب المحلية ممثلة لثقافاتها كلها، فيما تبقى تجارب أخرى خارج مجال الرؤية. وهكذا تعمل المركزية بتحديد ما يُترجم، وما يُسوَّق، وما يُمنح مساحة نقدية. ولا يعني هذا أن كل انتشار ناتج عن قوة مؤسسية، فقد ينتشر عمل لقيمته الفنية، لكن الفصل بين العاملين يقتضي فحصاً لا اكتفاء بالانطباع.
ومن هنا تبرز ضرورة التمييز بين الانتشار والعالمية. فالانتشار يقاس باتساع الجمهور وتعدد الترجمات، أما العالمية فتتعلق بقدرة العمل على الدخول في حوار عابر للثقافات، وإنتاج دلالات تتجاوز سياقه الأول من دون أن تفصله عنه. وقد ينتشر كتاب بفعل الدعاية أو الجوائز، لكن الانتشار وحده لا يثبت عمق أثره الأدبي. وفي المقابل، قد تبقى أعمال مهمة محدودة التداول بسبب ضعف الترجمة أو التوزيع. وليس الانتشار نقيضاً للعالمية، لكنهما يجيبان عن سؤالين مختلفين: إلى كم قارئ وصل النص، وماذا أتاح لهم أن يفهموا أو يعيدوا التفكير فيه؟
توضح التجارب العربية هذه المسألة. ففي «موسم الهجرة إلى الشمال» للطيب صالح، تتحول العلاقة بين السودان وأوروبا إلى مساءلة للهوية والسلطة وآثار الاستعمار. وفي «رجال في الشمس» لغسان كنفاني، تتخذ مأساة الفلسطينيين شكلاً سردياً يجعل المنفى والعجز والمصير أسئلة قابلة للتفاعل خارج التجربة الفلسطينية، من دون أن يفقد النص أسبابه التاريخية. أما «ثلاثية غرناطة» لرضوى عاشور، فتستعيد سقوط الأندلس من خلال حياة الأفراد والذاكرة، وتكشف كيف يمكن لتجربة تاريخية محددة أن تضيء أسئلة الاقتلاع واستمرار الهوية. هذه الأمثلة لا تثبت عالمية الأعمال لمجرد ترجمتها، بل توضح كيف تتشكل إمكاناتها العالمية من تفاعل الخصوصية التاريخية مع البناء الفني.
وتؤثر الترجمة والجوائز ودور النشر في هذا المسار. والترجمة نفسها ليست نقلاً محايداً، بل وساطة تفسيرية يشارك فيها المترجم والناشر في تشكيل صورة النص. فجوائز مثل نوبل تسهم في توجيه الاهتمام، لكنها لا تمثل قائمة نهائية. كما أن الترجمة إلى الإنجليزية أو الفرنسية قد تفتح أبواباً، لكنها لا ينبغي أن تصبح الطريق الوحيد للاعتراف. ولا يقتصر الإشكال على المركزية الغربية، إذ توجد مركزيات محلية تحدد من يُترجم ومن يُهمَّش داخل الثقافة الواحدة. ويتطلب تجاوز اختلال التوازن دعم الترجمة المتبادلة، وتوسيع الحوار بين الآداب العربية والأفريقية والآسيوية واللاتينية، وتعزيز دور المؤسسات المحلية في التعريف بأعمالها.
إن نقد المركزية الغربية لا يستدعي الانغلاق أو رفض التواصل، بل يقتضي جعله أكثر تكافؤاً. فالعالمية ليست شهرة عابرة، ولا امتيازاً تمنحه جهة واحدة، وإنما قدرة العمل على المشاركة في حوار متعدد الأصوات. وهي لا تتحقق بمحو الخصوصيات، بل بإتاحة المجال لها كي تسهم في تشكيل المعرفة الإنسانية، من دون أن تضطر إلى استيفاء شروط ثقافية واحدة كي تُسمع.
بقلم : ماجد القيسي