كتاب وشعراء

الأدب بين العالمية والشعبية والاستهلاك: نحو تفكيك التصنيفات.. بقلم الكاتب والناقد العراقي: ماجد القيسي

ليس الأدب العالمي بالضرورة موجهاً إلى النخبة، لكنه ليس نتاجاً تلقائياً لقوة النص وحدها. فالعالمية ليست صفة جوهرية يحملها العمل في ذاته، بل وضع تاريخي يتشكل من تفاعل عوامل عدة: قدرة النص على عبور الحدود الثقافية، ونظام الترجمة الذي ينقله، وسوق النشر الذي يوزعه، والجوائز والمؤسسات الأكاديمية التي تمنحه الاعتراف، والإرث الاستعماري الذي يحدد أي الثقافات تُقرأ وأيها تُهمَّل. جمعت أعمال مثل «البؤساء» لهوغو و«الحرب والسلام» لتولستوي بين العمق الفني والوصول إلى شرائح واسعة من القراء، لكنها لم تصبح عالمية بمعزل عن ترجمتها الواسعة، وتبنّي التعليم والمؤسسات الثقافية لها، وتحولها إلى مرجع في الكانون الأدبي. وإذا كان هذان المثالان يمثلان الكانون الأدبي الأوروبي، فإن عملاً مثل «ألف ليلة وليلة» انتقل من الذاكرة الشعبية العربية إلى العالمية عبر مسار طويل من الترجمة والوساطة والتصنيف، وهو مسار لا يفسره عمق النص وحده.

أما الأدب الشعبي، فيعبّر عن تجارب جماعات لم تكن دائماً ممثلة في الكتابة الرسمية، ويحفظ تصورات الناس عن السلطة والظلم والبطولة والحب والعلاقات الاجتماعية. لكن تمثيله لهذه التجارب ليس محايداً ولا كاملاً؛ فالحكاية الشعبية قد تحمل سلطات أبوية وإقصاءً داخلياً، وقد تُسكِت أصواتاً بقدر ما تمنح أصواتاً أخرى مساحة. ولذلك يكون التوصيف الأدق النظر إليه بوصفه حقل صراع على التمثيل، لا صوتاً جماعياً متجانساً. ومن هذه الزاوية يمكن فهم تداوله الجماعي شكلاً من المشاركة في إنتاج الثقافة؛ لأن الحكاية لم تكن حكراً على مؤلف محدد، بل أسهمت الجماعة في تداولها وتعديلها وإعادة تشكيلها.

غير أن المشاركة الشعبية في إنتاج التراث تختلف عن الاستهلاك الجماهيري الحديث. ففي الأولى تتشكل الحكاية من التفاعل الاجتماعي والتوارث، بينما تتأثر الثانية بمؤسسات الإنتاج والتوزيع والإعلان التي توجّه الذائقة نحو أنماط معينة من المحتوى. لكن التمييز بينهما ليس حداً فاصلاً؛ فالجمهور ليس متلقياً سلبياً دائماً، وقد أصبح قادراً على المشاركة والنقد وإعادة إنتاج المحتوى، لكنه يعمل ضمن فضاء تتحكم فيه أيضاً مصالح اقتصادية وتقنيات رقمية. والفاعلية هنا مشروطة لا مطلقة: قد ينتج الجمهور معاني مغايرة، لكنه يفعل ذلك داخل بنية تحدّ من مدى هذا الإنتاج.

تكشف العلاقة بين الأدب العالمي والأدب الشعبي والثقافة الجماهيرية أن الحدود بينها ليست جدراناً فاصلة، بل مساحات متحركة تتغير بتغير الأزمنة والمجتمعات ووسائل التعبير. غير أن هذه التصنيفات نفسها ليست بريئة؛ فهي أدوات تصنيف تاريخية واجتماعية تتشكل في مؤسسات النشر والتعليم والنقد، وتُستخدم أحياناً لإقصاء أعمال أو لإدماجها. فقد تنطلق الحكاية من الذاكرة الشعبية لتصبح عملاً عالمياً، وقد يتحول نص نخبوي إلى قراءة جماهيرية واسعة، كما قد يحقق عمل تجاري نجاحاً كبيراً من دون أن يحتفظ بمكانة أدبية طويلة الأمد. وكل ذلك يدل على أن التصنيف يتبع مسار التداول والاعتراف، لا طبيعة النص وحدها.

ولعل المسألة الأساسية ليست المفاضلة بين أدب النخبة وأدب الجمهور، وإنما البحث في الشروط التي تمنح النص قيمته، وفي الجهات التي تؤثر في الاعتراف به وتداوله. فالأدبية لا تقاس بعدد القراء وحده، ولا بمدى تعقيد اللغة، وإنما بقدرة العمل على بناء تجربة فنية متماسكة، وتقديم رؤية تتجاوز الاستهلاك العابر. لكن هذا المعيار نفسه لا يعمل في فراغ؛ فالحكم على «تماسك التجربة» و«عمق الرؤية» يصدر عن قراء ومؤسسات تحمل معايير ثقافية محددة. ومن ثمّ يكون السؤال الأنفع: من يملك سلطة تعريف الأدبية؟ وبأي شروط يمنح الاعتراف أو يحجبه؟

إن الأدب الذي يستطيع الاحتفاظ بحضوره في الذاكرة الإنسانية هو الذي يجمع بين خصوصية التجربة وعمق التعبير، وبين جذوره الثقافية وقدرته على مخاطبة الآخر. وقد يتحقق ذلك في رواية عالمية معقدة، أو في حكاية شعبية بسيطة في لغتها، عميقة في دلالاتها. وهنا تتجلى قيمة الأدب الحقيقية: ليس في تصنيفه نخبويّاً أو شعبيّاً، بل في قدرته على تحويل التجربة الإنسانية إلى معنى يتجاوز حدود الزمان والمكان، مع إدراك أن هذا التجاوز نفسه لا يكتمل إلا بوسائط الترجمة والنشر والتعليم التي تفتح للنص أبواب العبور.

بقلم : ماجد القيسي

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى