
حين أيقنوا بموتي أطلقوا سراحي. لم يكن موتي سوى إشاعة نسجوها في دهاليز المعتقل، كي يطووا ملف رجل أرهقهم بصموده، وأصبح وجوده عبئاً على ضمائرهم، إن كان لهم ضمير. أطلقوا سراحي بعدما تأكدوا أنني لم أعد أشكل خطراً على أحد، وأن سنوات العذاب كفيلة بأن تحوّل الإنسان إلى ظلٍّ باهت لما كان عليه.
كان الاعتقال السياسي قد فتح بعض النوافذ التي ظلت موصدة طويلاً. تغيرت الوجوه في واجهات السلطة، وتبدلت الشعارات، وارتفعت أصوات تتحدث عن المصالحة والإنصاف وطي صفحات الماضي. أما نحن، الذين تركنا أعمارنا خلف القضبان، فلم نكن نعرف أي صفحة ينبغي أن نطوي، ولا كيف نستعيد سنوات سُرقت منا دون استئذان.
في المعتقل، لم تكن الحياة سوى انتظار طويل للمجهول. كانت الجدران الرطبة تتنفس عفونة الموت، وكانت الزنازين تضيق كلما اتسعت الذاكرة. ليالٍ بلا نوم، تحقيقات لا تنتهي، أصوات مفاتيح تفتح أبواب الخوف، وأقدام حراس تتعمد إيقاظ ما تبقى فينا من رعب. كان الجوع رفيقاً يومياً، والبرد يتسلل إلى العظام، والضوء الشحيح لا يكفي لتمييز النهار من الليل.
كم مرة حدثت نفسي بأنني لن أخرج من هنا حياً؟ وكم مرة تخيلت أمي جالسة عند عتبة البيت، تنتظر خبراً عني، لا تعرف إن كنت حياً أم ميتاً؟ كنت أستحضر وجهها كلما اشتد العذاب، وأتشبث بصوتها الذي كان يأتيني من أعماق الذاكرة، كأنه يد حانية تنتشلني من قاع البئر.
ثم أفرج عني.
لم يكن يوماً استثنائياً كما تخيَّلته طويلاً. فتحوا الباب، أعادوا إلي بعض أوراقي البالية، وأشاروا إلى الخارج. خرجت أحمل جسداً أنهكته السنوات، وروحاً لم تعد تعرف كيف تستقبل الحرية. كانت الشمس ساطعة، لكن عينيّ اعتادتا العتمة، وكانت الشوارع تعج بالحركة، فيما كنت أشعر أنني غريب عن العالم الذي تركته خلفي.
عدت إلى الديار.
يا للمفارقة! كنت أظن أن العودة ستعيد إلي ما تبقى من حياتي، وأن عتبة البيت ستحتضنني كما تحتضن الأرض أبناءها العائدين من سفر بعيد. لكن البيت كان صامتاً، والوجوه التي انتظرت رؤيتها غابت عن المشهد.
بحثت عن زوجتي، فلم أجد لها أثراً. قيل لي إنها رحلت منذ سنوات، وإنها لم تستطع تحمل الانتظار، وإن أخبار موتي التي تسربت إليها أغلقت آخر أبواب الأمل في عودتي. لم أعرف أين انتهى بها الطريق، ولا إن كانت قد اختارت الرحيل أم دفعتها قسوة الأيام إلى ذلك. بقي غيابها جرحاً مفتوحاً، وترك في البيت فراغاً أكبر من مساحة الجدران.
أما أمي، فقد سبقتني إلى الرحيل. ماتت وهي تنتظر، ماتت وفي قلبها سؤال لم تجد له جواباً: هل سيعود ولدي؟ أخبروني أنها كانت كلما سمعت طرقاً على الباب تسرع نحوه، لعل الطارق يحمل خبراً عني. وحين أعياها الانتظار، أسلمت روحها، تاركة لي حسرة لم أجد لها اسماً.
وقفت أمام قبرها طويلاً. لم أبكِ كما يبكي الناس موتاهم، فقد جفَّف المعتقل ينابيع الدموع في داخلي. وضعت يدي على التراب، واعتذرت لها عن غياب لم أختره، وعن عمر سرقوه مني ومن عينيها. تمنيت لو أنني استطعت أن أعود يوماً واحداً قبل موتها، لأضع رأسي في حجرها، وأسمعها تناديني باسمي كما كانت تفعل في طفولتي.
ولم تكن الخسارات قد انتهت.
الأصدقاء الذين تقاسموا معي الخبز وأحلام الشباب، والذين أقسموا ذات مساء ألا يتخلوا عني، صاروا يتجنبون النظر في عيني. بعضهم غيَّر أرقام هواتفه، وبعضهم تظاهر بأنه لم يعرفني، وآخرون وجدوا في صمتي فرصة لتبرير غيابهم. رأيت الخوف في وجوههم، ورأيت المصلحة قد أعادت ترتيب ذاكرتهم. لم يعد أحد يتذكَّر ليالي النضال، ولا الكلمات التي كنا نرددها عن الوفاء والتضامن والكرامة.
أدركت يومها أن المعتقل لم يكن وحده سجني؛ فثمة سجون أخرى تنتظر الخارجين منه: سجن النسيان، وسجن الخذلان، وسجن مجتمع يتعامل مع الناجين من المحنة كما لو أنهم يحملون عدوى ماضٍ لا يريد استعادته.
جلست ذات مساء أمام نافذة البيت. كان الغروب ينسحب ببطء من فوق أسطح المنازل، والريح تحرِّك أغصان شجرة قديمة زرعتها أمي ذات ربيع. تأملتها طويلاً. كانت الشجرة وحدها تعرفني، لم تسألني أين كنت، ولم تطلب مني تفسيراً لغيابي.
أشعلت مصباحاً صغيراً، وفتحت صندوقاً قديماً. وجدت صوراً باهتة، رسائل لم تصل، ودفتر مذكرات تركته يوم اعتقالي. تصفحت الصفحات، فإذا بالشاب الذي كنته يطل عليّ من بين السطور، مفعماً بالأحلام، مؤمناً بأن العالم يمكن أن يصبح أكثر عدلاً، وأن التضحية ليست عبثاً.
ابتسمت بمرارة.
لقد أقنعوا الناس بموتي، ثم أطلقوا سراحي، لكنهم لم يعيدوا إلي زوجتي، ولا أمي، ولا أصدقائي، ولا السنوات التي دفنتها في الزنزانة.
ومع ذلك، لم أكن ميتاً تماماً.
كان في أعماقي شيء صغير يرفض الاستسلام، شيء يشبه بذرة ظلت مدفونة في التراب سنوات طويلة، لكنها لم تفقد رغبتها في الإنبات.
قلت لنفسي: ربما انتصروا على جسدي، وربما نجحوا في تشتيت حياتي، لكنهم لم يستطيعوا أن ينتزعوا مني ذاكرتي.
فالذاكرة آخر معاقل الإنسان، وحين يفقد المرء كل شيء، لا يبقى له سوى أن يشهد على ما حدث، حتى لا يتحول الألم إلى حكاية منسية، ولا يصبح الموت الذي دبروه حقيقة في ذاكرة الأحياء.
لم أعد إلى الديار لأبدأ حياة جديدة، بل عدت لأشهد على حياة قديمة اغتيلت قبل أوانها.
بقلم الكاتب: بوشتى الجامعي