رؤي ومقالات

عبده زعلوك يكتب: من المطبخ إلى السياسة.. هل ينجح المؤثرون في تسويق الرواية الرسمية؟

هل يمكن لمؤثر اشتهر بتقديم وصفات الطعام أو محتوى الترفيه أن يتحول فجأة إلى وسيط لتفسير السياسات الحكومية وإقناع المواطنين بها؟ وهل يكفي امتلاك ملايين المتابعين حتى يصبح صانع المحتوى مؤهلًا للحديث في الاقتصاد والسياسة والأمن القومي؟
تفرض هذه الأسئلة نفسها بعد لقاء وزير الدولة للإعلام ضياء رشوان مع نحو 70 مؤثرًا وصانع محتوى، وإعلانه توجه الدولة لدعم صناع المحتوى الجادين، وتمكينهم من التواصل مع مصادر المعلومات الرسمية بالوزارات والجهات الحكومية، لإنتاج محتوى رقمي دقيق وملتزم بالحقائق.
الخطوة تعكس إدراكًا لتحولات المشهد الإعلامي وصعود المؤثرين باعتبارهم وسطاء جددًا يمتلكون جماهير واسعة، لكن السؤال ليس حجم هذه الجماهير، وإنما مدى امتلاك من ينقل الرسالة المعرفة اللازمة لفهمها وتفسيرها، والأهم مدى تقبل الجمهور لرسائل سياسية واقتصادية يقدمها شخص ارتبطت متابعته بمحتوى مختلف، كالطبخ أو الترفيه أو الموضة. وهل تنتقل ثقة المتابع في هذا الشخص من مجال تخصصه إلى مجالات أخرى لم يختبر الجمهور معرفته بها؟
يخلط هذا التوجه بين مهارة التأثير والقدرة على التحليل والفهم. فالمؤثر الذي نجح في بناء جمهور واسع من خلال محتوى الطبخ أو الموضة أو السفر، ربما يمتلك مهارات استثنائية في التواصل وصناعة المحتوى، لكنه لا يمتلك تلقائيًا أدوات تحليل السياسات الاقتصادية أو فهم العلاقات الدولية أو تفسير القرارات الحكومية.
فهل درس العلوم السياسية؟ وهل يستطيع تحليل الخطاب السياسي وقراءة الموازنات العامة ومؤشرات الاقتصاد الكلي، ومقارنة البيانات الرسمية بمصادر مستقلة؟
هذه ليست أسئلة للتقليل من صناع المحتوى، وإنما لتحديد حدود التخصص والمسؤولية. فهناك مؤثرون متخصصون في السياسة والاقتصاد يمتلكون خلفيات علمية ومهنية تؤهلهم لمناقشة هذه الملفات، لكن تعميم الدور على كل من يمتلك جمهورًا يختزل المعرفة في القدرة على جذب المشاهدات.
السؤال الأهم يتعلق بطبيعة الدور المطلوب: هل يستطيع صانع المحتوى مناقشة السياسات الحكومية وطرح الأسئلة الصعبة بشأن نتائجها وتكاليفها، أم يقتصر دوره على تبسيط الرواية الرسمية وإعادة تقديمها في قالب رقمي أكثر جاذبية؟
فتبسيط المعلومات الحكومية وظيفة مفيدة، لكن تحليل السياسات يتطلب فهم السياق والبدائل والتكاليف والنتائج، والقدرة على مساءلة الجهة التي أصدرت القرار، وليس الاكتفاء بنقل تفسيرها له.
كما أن إتاحة التواصل مع مصادر المعلومات الرسمية لا تكفي وحدها لضمان دقة المحتوى؛ فالمعلومات الحكومية تحتاج إلى المقارنة والتحقق المستقل. وهنا يبرز سؤال: هل يمتلك صانع المحتوى مصادر وأدوات للتحقق من الأرقام والتفسيرات الرسمية، وهل يستطيع نشر نتائج تخالف ما تقدمه الوزارة إذا أثبتت البيانات ذلك؟
فالمصدر الرسمي مهم، لكنه ليس بديلًا عن التحقق المستقل، والوصول إلى المعلومة لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على تقييمها.
جمهور الطبخ ليس جمهور السياسة.. والتأثير ليس إقناعًا
يبدو أن الرهان ينطلق من معادلة بسيطة: من يمتلك ملايين المتابعين يستطيع الوصول إلى جمهور كبير، وبالتالي يمكن الاستفادة منه في نقل الرسائل الحكومية.
لكن هذه المعادلة تتجاهل طبيعة العلاقة بين المؤثر ومتابعيه. فالمتابع الذي يثق في صانع محتوى بسبب وصفاته أو خبرته في الطبخ لا يمنحه بالضرورة الثقة نفسها عندما يتحدث عن السياسة أو الاقتصاد أو الأمن القومي.
فالثقة التي بناها المؤثر في مجال تخصصه لا تنتقل تلقائيًا إلى المجالات الأخرى، بل قد تتراجع مصداقيته إذا شعر جمهوره بأنه يتحدث في قضايا لا يمتلك أدوات فهمها، أو يكرر رسائل جاهزة لا تستند إلى معرفة مستقلة.
كما أن المتلقي المصري ليس مستقبلًا سلبيًا للرسائل الإعلامية؛ فهو يقارن ويشكك ويقيّم، ولا يعني ظهور مؤثر يحظى بملايين المتابعين أن الجمهور سيقتنع بما يطرحه.
فامتلاك قناة للوصول إلى الجمهور لا يعني امتلاك القدرة على تغيير قناعاته؛ لأن الإقناع يحتاج إلى المعرفة والحجة والمصداقية، وليس مجرد الشهرة والانتشار.
هناك فرق بين إتاحة المعلومات لصناع المحتوى والصحفيين وتركهم أحرارًا في تحليلها ومناقشتها، وبين استخدامهم لإعادة إنتاج الرواية الحكومية عبر جماهيرهم.
فالمحتوى التوعوي يعرض المعلومات في سياقها، ويوضح مصادر الأرقام وما هو مؤكد وما لا يزال محل نقاش. أما المحتوى الترويجي فيبدأ من النتيجة المراد إقناع الجمهور بها، ثم ينتقي المعلومات التي تخدمها.
والفارق بين النموذجين تحدده استقلالية صانع المحتوى، وشفافية المصادر، وحرية النقد، والإفصاح عن أي دعم أو تمويل حكومي.
إن توجه الدولة لمخاطبة مواطنيها عبر المؤثرين يثير تساؤلات حول أولويات تطوير المجال الإعلامي. فبدلًا من أن تكون الأولوية لإصلاح منظومة الإعلام وتطوير أدائها، وتوفير المعلومات للصحفيين، وتمكين المؤسسات الإعلامية من أداء دورها في التفسير والمساءلة، يتجه الرهان إلى الاستفادة من أصحاب الجماهير الرقمية لتوسيع انتشار الرسالة الحكومية.
ولا يعني ذلك رفض التعاون مع صناع المحتوى، وإنما وضعه في إطاره الصحيح: المؤثر يقدم محتوى في نطاق معرفته، والخبير يحلل، والصحفي يتحقق ويبحث ويطرح الأسئلة، والجهة الحكومية تقدم المعلومات وتتحمل مسؤولية دقتها وشفافيتها.
يا وزير الإعلام، ليس كل من يمتلك جمهورًا يستطيع إيصال أي رسالة إليه، وليس كل من نجح في التأثير في متابعيه في مجال معين يمتلك أدوات إقناعهم في مجالات أخرى.
فالمؤثر الذي صنع جمهوره في عالم الطبخ لا يمتلك تلقائيًا وعي هذا الجمهور السياسي أو الاقتصادي، ولا يستطيع تغيير قناعاته لمجرد أنه قرر الحديث في السياسة أو تبسيط رواية حكومية.
لكل مؤثر جمهوره واهتماماته، ولن تتحول هذه العلاقة تلقائيًا إلى قبول برسائل حكومية، حتى لو قُدمت في قالب جذاب.
كان الأولى بوزارة الدولة للإعلام أن تجعل إصلاح منظومة الإعلام المهني، وتدفق المعلومات، وحرية تداولها، وتعزيز الثقة بين المؤسسات الإعلامية والمواطنين، في مقدمة أولوياتها، بدلًا من الرهان على توصيل محتواها عبر أصحاب جماهير لم تُبنَ علاقتهم معها على أساس مناقشة سياساتها.
فالدولة لا تحتاج إلى مزيد ممن يكررون روايتها، بقدر ما تحتاج إلى إعلام قادر على عرض المعلومات ومناقشة القرارات وتفسير السياسات للمواطنين.
فامتلاك الجمهور ليس امتلاكًا لوعيه، والتأثير فيه لا يعني امتلاك القدرة على إقناعه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى