غير مصنف

على حافة الظل.. بقلم الشاعرة والمترجمة اللبنانية البرازيلية: تغريد بو مرعي

كان الصباحُ يُقَلِّبُ أكمامَهُ على نافذتي، ويذرُّ أشلاءَ ضوءٍ تهيمُ على أطرافِ الحنين، كأنَّ الوقتَ يختبرُ هشاشتَه فوقَ جسرٍ من اللافندر، أو كأنَّ الروحَ تتهيَّبُ عبورَها الأوَّل نحو يقينٍ يتهامسُ في جرارٍ من فخارٍ أزرق.

تدلَّتْ من أصابعي خرزاتُ ليلٍ أعشى، تُفتِّشُ عن وطنٍ نامَ في طيّاتِ صدري، وشهقَ بأحلامٍ تشبهُ نوافذَ واسعةً على غيمٍ يهاجرُ دونَ جوازٍ أو وصيّة.
كنتُ أمشي هائمةً بين ظلّين: ظلٌّ يشبهُ خطايَ حين تُخطئ، وظلٌّ يشبهُ سري حين يهربُ من شِرفةِ الصدى، وقد تشابكا مثل وترينِ يضطربانِ في صدرِ عودٍ عجوز.

يا لدهشةِ القلبِ حين يتّكئ على نبعٍ لا يُفصِحُ عن ماءٍ واحد؛ مرةً يسيلُ رمّاناً، ومرَّةً يُزهرُ في أصابعي لوزاً خجولاً، ومرَّةً يَهرُبُ منِّي، ويتركني معلَّقةً بين شجرِ الكلامِ وسكونِ المعنى.

أجمعُ أطرافَ القصيدةِ من ثغراتِ الهواء، من انحناءةِ الهلالِ على جبينِ المساء، من هُدبِ غيمةٍ تُعاندُ الشتاء، ثم أرتِّبُها في سلّةِ الروحِ كما تُرتَّبُ فوانيسُ عيدٍ يمشي على مهلٍ في الأزقّةِ القديمة.

أعرفُ أنَّ الليلَ يُخفي أكثر ممَّا يقول، وأنّ المرايا تُخاتِلُ صورتها حينَ يلتهمُها الشغف، وأنّ الوردَ لا يشيخُ إلّا إذا غابَ عن فوضى اليدين.

علِّمني الحبُّ كيفَ أنحني على وهجي كما تنحني العنقاءُ على رمادِهَا، وكيفَ أُرَبِّي في دمي ناياً يُدوزنُ وحدةً لذيذةً، وكيف أتخبَّطُ في غاباتٍ من الأسئلة، دون أن أخشى أن أفقدَ دَرْبي، مادامَ الفجرُ يُعَلِّقُ على كتفيّ قميصاً من برجسٍ يليقُ بالضياع.

يا صغيرتي التي تنبُتُ في قلبي مثل سنبلةٍ جَموح، لا تهربي منِّي إليَّ!
ادخُلي في عُتمةٍ تلمعُ كالزُّئبق،
في فمٍ يتعلّمُ أبجديّةَ اللهفة،
في نبرةٍ ترفرفُ مثل جناحِ حمامةٍ تائهةٍ تبحثُ عن غصنٍ يسَعُ الهديل!.

علِّقيني على مسمارِ النَّدى،
وارسُمي على صدري خريطةً من فوضى يليقُ بها المطر،
فأنا رجلٌ تربّى على رائحةِ الكتبِ العتيقة،
وَيُفتِّشُ عن امرأةٍ تُجالسُ نجومَهُ كأنَّها تتصفَّحُ أسرارَ النار.

مازالَتِ الأزقَّةُ تتهجَّى خطواتِكِ،
ومازالتِ الجهاتُ الأربعُ ترتّبُ نفسها على أنفاسِك،
ومازالتِ القصيدةُ ـ تلك الشغوف ـ
تكتفي بأن تلتقطَ منكَ شرارةً واحدة
لتنقلبَ ناراً تُنْضِجُ المعنى،
أو تُعيدُني طفلاً يُصلحُ جناحَ فراشةٍ مكسورة،
ويظنُّ الليلَ مجرَّدَ لعبةٍ تُضاءُ بالشهوات.

مَنْ يُلَوِّح خلف النافذةَ الآن؟
ربما هو صدى خطاي
وأنتِ… الاحتمالُ الذي لا يتّسِعُ له الكون.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى