
في كل زمان ومكان ستجد ذلك النموذج العجيب الذي يمشي على قدمين لكن داخله يسير على عكاز من الشك. إنه صاحب “عقدة النقص المركّب”؛ الكائن الذي إذا رأى نجاحًا أصيب بحساسية موسمية، وإذا سمع فكرة جديدة احتاج إلى مهدئ أعصاب.
عقدة النقص – كما تحدث عنها عالم النفس النمساوي Alfred Adler – ليست مجرد شعور عابر بعدم الكفاية، بل قد تتحول إلى محرك خفي يدفع صاحبها إما للإنجاز… أو للتضخم الوهمي. وبعض الناس – ويا للأسف – يختارون الطريق الثاني: طريق “الأنا الإلهية المحدودة الصلاحية”.
تجده – خصوصًا إذا كان في موضع أمانة أو سلطة – يتعامل مع المؤسسة كأنها إرث عائلي من أيام الفراعنة، ومع الموظفين كأنهم قطع أثاث يجب أن تهز رأسها بالموافقة كلما عطس. هو لا يرتاح إلا لمن يقول له: “أمرك سيدي”، أما صاحب الرأي، وصاحب الشخصية القوية، والمبدع الأصيل… فهذا يسبب له حموضة فكرية مزمنة.
العجيب أن هذا النوع لا يكره الفكرة لعيب فيها، بل لأنها لم تخرج من فمه هو. وإذا حاورته شعرت أنك لا تناقش إنسانًا بل “مقامًا إداريًا مقدسًا”. وفي التراث الشعبي يقال: “اللي ناقصه حاجة يقول للناس عندي”. وهو يملك من هذا “العندي” مخزونًا استراتيجيًا.
ومن الطرائف – التي لا تخلو من مرارة – أن أحدهم قد يذهب إلى طبيب أو باحث فقط ليحصل على لقب مزخرف يعلقه على صدره كما يعلق الأطفال نجمة ذهبية على كراسة الواجب. ينسى أن اللقب لا يصنع القيمة، وأن الشهادة لا تمنح الهيبة إن لم يسندها عقل راجح وقلب سليم. فالناس – كما يقول المثل – “تشم ريحة الأصل من بعيد”.
هذا النموذج غالبًا ما يحمل في داخله ماضيًا مثقلًا بالشك أو التقليل أو المقارنات القاسية. ربما قيل له يومًا إنه أقل، فآمن بالفكرة… ثم قرر أن ينتقم من العالم كله. فيتحول إلى حارس بوابة يمنع الضوء من الدخول، لأنه يخشى أن يكشف هشاشة الجدران.
هو يحسد لأن قلبه فارغ، ويحقد لأن روحه عطشى، ويتضخم لأن داخله صغير. يعتقد نفسه مركز الكون، بينما الكون مشغول عنه تمامًا. وإذا سمع موظفًا يقول “حسبي الله ونعم الوكيل” ظن أن الموظف تجاوز التسلسل الإداري ليخاطب السماء دون إذن منه! وكأن السماء تمر أولًا على مكتبه لتوقّع طلب الاستغاثة.
المفارقة أن هؤلاء لا يشعرون بالراحة إلا مع من يقبل دور “الخادم الطائع”. أما من يفكر، أو يناقش، أو يبتكر، فهو تهديد وجودي. ليس لأنه خطر… بل لأنه مرآة. والمرآة مؤلمة لمن يخشى رؤية حقيقته.
ومع ذلك، لا يمكن اختزالهم في خانة “المرضى”. هم بشر تشكلوا بظروف، وتجارب، وربما جراح قديمة لم تُضمد. لكن المسؤولية تبدأ حين تتحول الجراح إلى أدوات لإيذاء الآخرين، وحين يصبح النقص مشروعًا لإقصاء كل متميز.
الكنز الحقيقي – الذي يغفل عنه صاحب العقدة – ليس لقبًا مزورًا، ولا سلطة مصطنعة، ولا دائرة من المصفقين. الكنز هو الأصل، والاحترام، والمنطق، والعقل، وحب الناس. وهذه لا تُشترى، ولا تُنتزع، ولا تُفرض بقرار إداري.
في النهاية، سيبقى الأصيل أصيلًا ولو حاربوه، وسيبقى المبدع مبدعًا ولو ضاقوا به، أما من بنى عرشه على شعور بالنقص… فأقصى ما يملكه هو ضجيج مؤقت. والضجيج – كما نعلم – لا يصنع قيمة، بل يكشف فراغًا.