
ــــــ نحن لا نتعود يا أبي إلا إذا مات شيء فينا، وتصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على كل ما حولنا»* ممدوح عدوان.
قد يكون الأدب منقذاً من الوقوع في الثقة بظاهر الأشياء والعلامات واللغة ورغم ذلك نقع لأن التوق للوضوح والصدق والنظافة توق مشروع وطبيعة رغم انه الثغرة والصدع الذي ترشح منه المتاعب ويتسلل منه الشر .
لا نجاة من المخاطر والوقوع في المصادفات.
رولان بارت الفيلسوف البنيوي الفرنسي الذي أحدث ثورة في النقد الأدبي،
وتحدث عن مستقبل الأدب وموت المؤلف نهاية النص وقراءة النص من داخله ونسيان كاتبه وعن النص المتشظي والمبعثر وغيرها من مفاهيم المحترفين،
الذي وصف بالعقل الأكبر للثقافة الفرنسية،
لم يتوقع نهاية محاضرة له عندما كان خارجا من الكوليج دي فرانس في الحي اللاتيني عندما دهسته شاحنة صغيرة وقضت عليه.
الوجه البشري نص كما اللغة والجسد وعلامات الوجه ليست نظما طبيعية لكنها أنساق إجتماعية والدليل ان تعابير الوجه كالفرح والحزن والغضب تختلف من شعب وثقافة الى شعب وثقافة وهناك شعوب لا تعبر عن المشاعر بسهولة وهناك عكسها مما يعني ان العلامات وسيمياء ولغة الوجه يمكن تعديلها وليست من طبيعة بيولوجية ثابتة وهناك من يعتقد ان بعض العلامات فطرية لكن طريقة الصياغة اجتماعية.
ومن يقول نحن نولد بلوحة مفاتيح عاطفية لكننا نتعلم العزف من المجتمع وفي بعض الثقافات مثلاً الابتسامة لحظات الدفن تعني التمني للميت السلام لكنها في ثقافة أخرى قلة أدب. الانسان هو المخلوق الوحيد القادر على التلاعب بلغة الوجه او سيمياء التعبير وارتداء الأقنعة الخادعة كأن يدعي الفرح وهو منهار ويتظاهر بالثقة في الجسد لكن الروح راكعة. غير صحيح المقولة القديمة أن الوجه مرأة العقل لكن الوجه لوحة اعلانات نضع عليه ما نريد من ملامح.
الملامح قوالب يتربى عليها الانسان من الولادة كثقافة عامة وتقاليد واعراف لكن علامات الوجه كنص لا تعكس دائما حقيقة الشخص ولا تعكس مشاعره لكنها تعكس الاتفاق العام،
نحن اتفقنا بشكل جماعي منذ أزمنة على أن هذه العلامة تعني الفرح
وتلك تعني النفور أو الخوف والخ.
علامات الفرح والحزن والامتعاض والعيون وحركات الجسد، نحن إتفقنا على انها تفسر على هذا النحو أو ذاك، لكنها لا تعكس أعماق الشخص
وفي الداخل عواطف ومشاعر واحاسيس ولغة وعلامات مختلفة تماما وهو تزييف الشفرة وأحياناً ما تكون الابتسامة التي يستقبلنا بها البعض التي تلوح كعلامة ترحيب،
لا تكون ترحيباً دائماً ولا تعكس المشاعر الحقيقية،
وخلال زيارة ضيوف مثلاً يلاحظ الأطفال الترحيب من الوالدين بالضيوف،
ثم شتمهم عند الخروج مما يحفر علامات الازدواجية في الطفل وبدايات تزييف لغة الوجه،
أو في لقاء شارع أومكان عام، كما أن تعابير الحزن ليست دائما تعكس أن هذا الشخص حزين، لكنه يرتدي القناع أو النسق المتفق عليه كعلامة حزن،
وكل العلامات والاشارات والملامح عن المشاعر ليست طبيعية في كل الأحوال،
لكنها أنساق وقوالب تم التدريب عليها كإبتسامات مضيفات الطيران،
والأطباء والسماسرة أو كمظاهر العبوس للجلادين والقادة وغيرهم.
لكن تزييف الشفرة بشكل مستمر ووضع الاقنعة لكل شخص ومناسبة لا تمر بلا ثمن جسدي يستنزفه ويدمره من الداخل وكما قال الروائي الروسي بوريس باسترناك مؤلف الدكتور زيفاغو:
” صحّتك تتأثر إذا اضطررت يومًا بعد يومٍ أن تقول عكس ما تحسّ ، أن تنحنيَ أمام ما تكره ، أن تفرح بما لا يجلب لك إلّا الشؤم. جهازنا العصبي ليس خُرافة ، إنه جزء من جسدنا ، وروحُنا توجد في مكان ما داخلنا كالأسنان في فمنا ، لا يمكن التعدّي عليها باستمرار دون عقاب”.
هناك في الأعماق شيء ما مخفي غير اللغة الظاهرة وخلف الكلمات الانيقة،
وعليك الوصول اليه لكن بالاستبصار العميق، والاصغاء لرسائل جسدك التي لا تخطيء.
الدليل على ان الاشارات والملامح والتعابير ليست طبيعية في انها تختلف من شعب الى شعب،
السويدي يعبر عن فرحه وحزنه وخوفه بطريقة تختلف عن الصومالي، العراقي سريع التعبير عن مشاعره الخاصة لمن يعرف ولمن لا يعرف لكن النرويجي شديد التحفظ ولا يفعل ذلك إلا مع وسط قريب جداً ومجرّب،
والهندي يعبر عن حزنه وغضبه وخيبته بطريقة تختلف عن الانكليزي،
لأن كل شعب تربى على نسق من العلامات ومنحها المعاني.
الحيوانات لا تعرف الأقنعة ولا الكذب.
كل شعوب الأرض تكتفي في لحظات الدفن بعلامات واشارات خاصة بها،
بالنشيج الصامت أو مسح الدموع بالمناديل، أو حرق الجثث،
إلا العراقي في لحظات الدفن يكشط الأرض بالأظافر، ويمرغ وجهه بالرماد،
ويمزق زيقه من الطول للطول،
ويرفع رأسه نحو السماء ويعوي كذئب على قمر بعيد، كما لو لم تغادره صدمة كلكامش من الموت عندما هام في البراري، كأنه يحتج على قسوة الموت الطبيعي والحزن عنده ليس تعبيراً عن مشاعر فحسب بل هو خطاب للآخرين ترافقه كلمات كنشيج جماعي على أن مرحلة ما انتهت وبدأت أخرى وهناك جزء من الذاكرة انهار ومع الوقت ينهار جزء آخر ولا نعرف كم تبقى لنا لكي يتداعى؟