رؤي ومقالات

السفير معصوم مرزوق يكتب :إحتواء ” الإحتواء ” !

التأمل فيما آلت إليه سياسات الدول الكبري ، يشير إلي أن إستراتيجية ” الإحتواء ” التي اتبعت ضد الإتحاد السوفييتي في النصف الأخير من القرن العشرين ، قد فقدت البخار ، ولم تعد فعالة في أوضاع ما بعد انتهاء الحرب الباردة .
فبينما يمكن القول أن تلك السياسة وما اشتملت عليه من وسائل الحصار المختلفة ، قد نجحت ولو بشكل جزئي في التعجيل بنهاية الإمبراطورية السوفييتية ، فأنه من الصعب مقارنة هذا مع ” الإحتواء المزدوج ” للعراق وإيران في الربع الأخير من القرن العشرين ، أو في استمرار فرض ” الإحتواء ” علي النظام الإيراني لفترة تقارب نصف قرن .
لقد سقط الإتحاد السوفييتي دون أن تطلق عليه طلقة واحدة – كما قيل – ، ولكن احتواء إيران تطلب إضافة التدخل الخشن المتمثل في تآمر عسكري بين أمريكا والكيان الصهيوني ، ولا يبدو أنه نجح في تحقيق أي هدف سياسي أو أمني حتي الآن ، بل ربما علي العكس إزدادت هيمنة أيران وتمددت خارج حدودها كي تصبح من أهم لاعبي الشرق الأوسط في الوقت الحالي .
إستراتيجية الإحتواء تفترض حصار النظام وتجفيف الينابيع التي تغذيه ، كأسلوب وقائي في مواجهة الخطر ، بينما استدعت الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط إلي مواجهة مباشرة مع الخطر نفسه ، بهدف اقتلاعه وقصقصة أطرافه المتمددة في الإقليم ، أي أنها ” إحتواء معدل ” أو ” احتواء مسلح ” .
لقد تكسرت موجات الهجوم الوحشية الأمريكية والصهيونية ، علي صخرة الصمود الأيديولوجي ، فإذا بإيران تحاصر حصارها في مضيق هرمز ، ثم صار لها وضع يتيح الإحتجاج بمسؤولياتها الإقليمية الأمنية ، وتخرج حتي الآن بمكاسب سياسية إستراتيجية هامة .
لقد فشلت إستراتيجية الإحتواء في صورتيها الناعمة والخشنة سواء في صحاري الشرق الأوسط ، أو في السهوب الأوكرانية علي حدود روسيا الإتحادية ، وصار واجباً البحث عن أستراتيجيات بديلة لمواجهة النظام الدولي الجديد الذي يتبدي تدريجيا من مخاض الشرق الأوسط وأوكرانيا ، ويمهد المسرح لدخول لاعبين جدد في معادلة الهيمنة الدولية ، أبرزهم الصين والهند وباكستان ، من الآن وحتي نهاية هذا القرن الذي ينتقل فيه مركز الثقل العالمي إلي آسيا ، والمحيط الهندي والهادي.
وختاما ، لا زلت أري أهمية قصوى لما سبق أن أشرت إليه علي مدي سنوات ، من أهمية خلق نظام أمني إقليمي في الشرق الأوسط يتيح إحتواء الخطر الصهيوني المتصاعد الذي يمثل تهديدا أستراتيجيا لكل دول المنطقة بلا استثناء ، ولابد أن تشتمل أدوات النظام الأمني الجديد علي الدروس المستفادة من الصدام الأخير ، مع بحث استخدام نموذج محدث من إستراتيجية الإحتواء ، بعد أن كشف هذا النظام الصهيوني عن وجهه الإستيطاني البشع ، وفقد معركة الصورة منذ السابع من أكتوبر 2023 وحتي الآن . عرض أقل

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى