المسافة صفر.. حين يصبح الخراب ذاكرة تمشي.. قراءة نقدية في قصة: “المسافة صفر” للكاتب الليبي حسين بن قرين درمشاكي.. بقلم الناقدة الفلسطينية: أ. د. عائشة أبو ليل

قصة قصيرة: المسافة صفر
بقلم الكاتب والقاص الليبي: حسين بن قرين درمشاكي
وقف فوق سطح بيت متهالك. أبصر شوارع قصيرة تبدو أطول من أعمار ساكنيها. الركام يحتل الفراغات الجدران المتشققة تحفظ آثار أعوام طويلة من الانتظار.
عند نافذة ضيقة تطل على الشارع، وضع عمر كفيه على الحافة الإسمنتية ونظر إلى الجدار الممتد في الأفق. خلفه صدر صوت احتكاك معدني خافت. كان جده جالساً على كرسي خشبي قديم، بين أصابعه مفتاح نحاسي علاه الصدأ حتى غابت ملامحه الأولى. أدار العجوز المفتاح ببطء، ثم رفعه أمام عينيه.
— أتراه؟
التفت عمر.
— أراه كل يوم.
ابتسم الجد.
— وأنا أراه منذ نصف قرن، وما فرغت منه عيناي.
اقترب عمر.
— ما الذي تراه فيه؟
رفع الجد المفتاح نحو الضوء المتسلل من النافذة:
— باباً لم يغلق في قلبي.
استقرت الكلمات في الغرفة، وظل عمر يراقب وجه جده أكثر من المفتاح. مد العجوز يده إلى صندوق خشبي قرب الحائط، فتحه وأخرج صورة قديمة ووضعها فوق الطاولة. ظهر في الصورة منزل صغير تحيط به أشجار زيتون. مرر إصبعه فوقها بحذر.
— هنا كنت أركض.
انتقل إلى زاوية أخرى:
— وهنا كانت أمي تنشر الغسيل.
ثم توقف عند شجرة كبيرة، وارتسمت ابتسامة خفيفة على وجهه:
— تحت هذه الشجرة كسرت ذراعي وأنا أحاول الوصول إلى أعلى غصن.
ضحك ضحكة قصيرة خافتة، وكانت المرة الأولى التي يسمع فيها عمر هذه الضحكة منذ زمن. أعاد النظر إلى الجهاز اللاسلكي الموضوع على الرف، التقطه وأدار المقبض. امتلأت الغرفة بأصوات متقطعة وصفير متداخل، وتحرك المؤشر بين الترددات، توقف عند صوت مجهول، ثم تابع البحث.
راقبه الجد:
— ما الذي تطارده كل ليلة؟
ابتسم عمر دون أن يرفع رأسه:
— شيئاً لا أعرف اسمه.
هز الجد رأسه:
— الأشياء التي لا اسم لها تُبقي أصحابها مستيقظين.
استمرت أصابع عمر في التنقل بين الترددات. مع حلول الليل، ازدادت برودة الغرفة، وضع الجد بطانية على ساقيه.
أعاد المفتاح إلى جيبه. أغلق عمر الجهاز واستلقى على فراشه. بعد ساعات قليلة دوى انفجار بعيد. فتح عينيه. انفجار ثانٍ. ثم ثالث. نهض واتجه إلى النافذة؛ أضواء تومض في السماء، صخب في الشارع، أبواب تُفتح، خطوات متسارعة.
استدار نحو جده؛ كان العجوز واقفاً. لم يتكئ على كرسيه، ولم يطلب عصاه. وقف منتصباً وعيناه معلقتان بشيء بعيد. اقترب منه عمر ورأى لمعان الدموع على وجنتيه. أخرج الجد المفتاح من جيبه، نظر إليه طويلاً، أطبق عليه بكفه، ثم أغمض عينيه.
فتح عمر الباب وخرج. كان الهواء يحمل رائحة الدخان، وأصوات كثيرة تتدافع من الجهات كلها؛ رجال يركضون، نساء يتجمعن عند الأبواب، وأطفال يطلون من النوافذ. واصل السير بين الأزقة، تجاوز مبنى متصدعاً، انعطف عند زقاق ضيق، ثم توقف.
على بعد أمتار قليلة، رأى رجلاً يغطي الغبار وجهه وثيابه، يحمل سلاحه على كتفه. اقترب منه طفل صغير، بدا التعب واضحاً على ملامحه، رفع يده نحو فمه الجاف. أنزل الرجل سلاحه، أخرج زجاجة ماء، فتحها ومدها إليه. تناولها الطفل بكلتا يديه، ارتجفت أصابعه وهو يرفعها، انسكبت قطرات قليلة على قميصه، شرب على عجل.
ظل الرجل واقفاً يراقبه. عندما انتهى الطفل، أعاد إليه الزجاجة. أخذها الرجل بصمت، ثم وضع يده على رأسه لحظة قصيرة؛ لحظة عابرة بدت أطول من ضجيج الشارع كله. بعدها واصل طريقه.
تابع عمر المشهد، تذكر إصبع جده فوق الصورة، تذكر الضحكة القصيرة التي ملأت الغرفة، تذكر المفتاح وهو يلمع بين أصابعه تحت ضوء النافذة. بقي واقفاً، الطفل يبتعد، والرجل يبتعد، والغبار يتحرك مع الريح. شيء ما أخذ يتشكل داخله ببطء؛ شيء لم يحتج إلى اسم.
عاد إلى البيت قبيل الفجر. كان الباب موارباً، دفعه بهدوء ودخل الغرفة. الكرسي الخشبي في مكانه، البطانية على الأرض، كوب الشاي فوق الطاولة؛ تصاعد منه بخار خفيف.
نادى:
— جدي.
لم يجبه أحد. اقترب أكثر، بقيت الصورة القديمة فوق الطاولة وبجوارها المفتاح فقط. مد يده نحوه، حمله، وظل واقفاً لحظات. ثم جلس على الكرسي، وضع المفتاح فوق ركبته، ومرر أصابعه فوق الصدأ المتراكم. رفع بصره إلى النافذة؛ الجدار ما زال في مكانه، الشارع نفسه، البيوت نفسها.
أعاد المفتاح إلى كفه ونهض، أخذ الجهاز اللاسلكي وخرج إلى الساحة. كانت السماء تميل إلى الزرقة الخفيفة التي تسبق الفجر. شغل الجهاز، تدفقت أصوات كثيرة، نداءات، إشارات، وكلمات متقطعة. أدار المؤشر ببطء، توقف، رفع الجهاز إلى فمه، أرسل إشارة قصيرة، بقي لحظة يستمع، ثم أغلقه وأعاده إلى جيبه.
تقدم نحو طرف الساحة، وبدأ الضوء ينتشر فوق الأسطح. أخرج المفتاح ورفعه أمام عينيه؛ سقط عليه أول خيط من نور الصباح، ظهرت الخدوش القديمة وآثار الأصابع التي تداولته سنوات طويلة. أطبق كفه عليه، استدار نحو الطريق الممتد أمامه وتحرك.
خطوة واحدة، ثم ثانية. مر بجوار الجدار الذي اعتاد مراقبته من نافذته، لم يلتفت إليه، واصل السير، عبر الركام، وتجاوز الحجارة المبعثرة. اقترب من نهاية الشارع، هبت نسمة باردة، تحركت أطراف قميصه، وارتفع أذان الفجر من مسجد قريب، تردد الصوت فوق الأسطح والبيوت. توقف عمر لحظة، فتح كفه، نظر إلى المفتاح، ثم أغلقها من جديد.
واصل السير، وخلفه بقي الكرسي الخشبي فارغاً إلى جوار الصورة القديمة، وأمامه امتد الطريق. ومع كل خطوة كان الضوء يزداد، حتى ابتلع الفجر آخر الظلال.
القراءة النقدية
في هذه الحكاية لا يقف عمر فوق سطح بيت متهالك، بل يقف فوق طبقاتٍ كثيفة من الزمن؛ فوق أعمارٍ تراكمت بين حجرٍ متشقِّق ونافذةٍ ضيِّقة وجدارٍ ظلّ يمدُّ ظلّه على الروح قبل أن يمتدَّ على المكان. فالخراب هنا ليس نهاية الأشياء، بل أرشيفها الصامت؛ كل شقّ في الجدار يحمل صوتاً غائباً، وكل ذرة غبار تخفي وقع خطواتٍ عبرت ولم تصل.
يجلس الجدُّ في عتمة الغرفة ممسكاً بمفتاحٍ أكل الصدأ ملامحه، لكنه لم يستطع أن يأكل دلالته. كأن المفتاح لم يعد يبحث عن بابٍ فقده، بل صار باباً قائماً بذاته؛ باباً يفتح في الذاكرة ما أغلقته السنوات. لم يكن يحمل قطعة معدن، بل يحمل وطناً صغيراً اختُصر في راحة يد، يحمل شجرة زيتون، وضحكة طفل، وامرأة تنشر الغسيل، وسماءً لم تكن تعرف أن الغياب سيصبح يوماً أكثر حضوراً من الأشياء.
وعمر، الذي يراقب الجدار كلَّ ليلة، لا يبحث عن شيء خلفه بقدر ما يبحث عن شيء في داخله. الجدار ليس فاصلاً بين مكانين، بل مسافة بين إنسانٍ كان وإنسانٍ يحاول أن يولد. وبين صوت الجهاز اللاسلكي وتردداته المجهولة، يبدو كأنه يصغي إلى قلب العالم وهو يتقطع إلى إشارات بعيدة؛ يطارد اسماً لا يعرفه، لأن بعض الأسئلة لا تأتي لتُجاب، بل لتُبقي الروح يقظة.
ثم يأتي الانفجار، لا كصوتٍ خارجي فقط، بل كزلزالٍ يخترق طبقات الصمت. ينهض الجد من كرسيه كأن الذاكرة نفسها استعادت جسدها، وكأن ما ظنه الجميع موتاً في داخله كان انتظاراً للحظة مواجهة. تلمع الدموع في عينيه لا لأنها إعلان انكسار، بل لأنها آخر لغة بقيت للذين حملوا ما لا يُحكى.
وفي الشارع، بين الدخان والركام، يظهر المشهد الأكثر إنسانية: رجل يحمل سلاحاً يمدُّ الماء لطفلٍ عطشان. لحظة صغيرة تكاد تضيع وسط ضجيج الخراب، لكنها تكشف أن الإنسان لا يُقاس بما يحمله على كتفه، بل بما يتركه في يد الآخر. هناك، عند قطرة الماء، تتقاطع كل الحكايات؛ الماضي والحاضر، الفقد والبقاء، الجرح والرحمة.
حين يعود عمر ويجد المفتاح وحيداً بجوار الصورة، يدرك أن الجد لم يترك له شيئاً من الماضي، بل ترك له مسؤولية المستقبل. فالإرث الحقيقي ليس بيتاً يعود، بل معنى لا يسقط. ليس حجراً يُستعاد، بل إنساناً يرفض أن يتحول إلى حجر. يحمل عمر المفتاح لا ليفتح باباً قديماً، بل ليفتح الطريق الذي كان مغلقاً داخله.
وعند الفجر، حين يترك الجدار خلفه ويمضي، لا يكون قد هرب من المكان، بل تحرر من أسر النظرة الواحدة إليه. لقد ظل الجدار طويلاً لأنه كان يُرى من نافذة الانتظار، أما الطريق فقد ظهر حين امتلك القلب شجاعة الخطوة الأولى.
المسافة صفر ليست المسافة بين إنسان وعدوه، ولا بين بيتٍ مهدّم وبيتٍ مفقود؛ إنها المسافة الخفية بين ما نخسره وما نختار أن نصير إليه. هناك، في تلك النقطة التي يلتقي فيها الركام بالضوء، يولد الإنسان مرة أخرى.
وفي هذه القصة يكشف حسين بن قرين درمشاكي عن حسٍّ سردي يلتقط ما وراء الحدث، فلا يجعل الخراب مشهداً خارجياً بقدر ما يجعله طبقةً عميقة من الذاكرة الإنسانية. يكتب عن الفقد دون أن يسقط في الرثاء، وعن الألم دون أن يفقد الأمل، فيحوّل الأشياء البسيطة؛ مفتاحاً صدئاً، صورة قديمة، قطرة ماء، إلى رموز تحمل أثقال حياة كاملة.
يمتلك الكاتب قدرة على الإصغاء إلى الصمت؛ فالشخصيات لا تتكلم كثيراً، لكن الأشياء من حولها تتكلم نيابة عنها. في “المسافة صفر” لا يكتب عن الحرب بقدر ما يكتب عن الإنسان الذي يحاول أن يحفظ إنسانيته وسط انهيار العالم من حوله. إنه سردٌ يمشي بهدوء فوق حواف الجرح، ويلتقط ما يختبئ خلف التفاصيل الصغيرة، فيمنح الأشياء لغة تتجاوز حضورها المادي إلى المعنى.
وحسين بن قرين درمشاكي لا يكتب الخراب بوصفه أثراً للمكان، بل بوصفه امتحاناً للروح. يملك عيناً سردية تنقب في الطبقات الخفية للإنسان، وتحوّل الذاكرة إلى مساحة للمقاومة، والفقد إلى حضور آخر لا يموت. يترك للقارئ أن يعثر بنفسه على المعنى المختبئ بين الركام والضوء، حيث يصبح الإنسان آخر ما تبقى من الدفء في عالمٍ يهدده الانطفاء.
أ. د. عائشة أبوليل
ناقدة فلسطينية