كتاب وشعراء

اليوم التالي.. قصة قصيرة بقلم الكاتب: عماد أبو زيد

انشطرت إلى نصفين.. أسير بنصف جسد.. ذراع وساق فقط.. لا أدري إذا كنت أمشي بنصف جسدي الأيمن أم الأيسر؟.. ولا أدري إذا كان قلبي يعمل بكامل كفاءته أم لا؟
حين أنظر إلى المرأة.. يعود إليّ النصف الآخر المفقود.
شيءٌ مرهقٌ أن أقف أمام المرآة طويلاً.. محتفياً بعودة نصفي الثاني!. عيناي تدمع.. لا.. لا.. لم تكن عيناي معاً.. لقد أخطأت التقدير.. كانت عين واحدة فقط لنصفي الحي.. الذي لازال يدبُّ على الأرض. أذكر نصفي الثاني حين تحامل على نفسه.. رغم جرح قدمه.. وحملني على كتفه.. وأنا طفلٌ صغيرٌ.. كانت الأمطار الغزيرة قد قطعت علينا الطريق. وأذكر حين جاءني إلى محطَّة القطار.. وأنا في مقتبل العمر.. كنت قد غادرت البيت، مُتوجِّهاً إلى المحطَّة.. في طريقي إلى محلِّ عملي بالإسماعيليَّة.. دون أن ألتقيه.. كانت السَّاعة تقترب من العاشرة صباحاً.. تسنَّى لي يرتدي قميصاً أبيض بنصف كم، وبنطالاً أسود.. بينهما حزام أسود.. مع حذاء كلاسيك أسود.. كان لايزال شعر رأسه الأبيض ممتزجاً بالأسود.. كما في الصورة التي أضعها فوق مكتبي الآن.
قدَّم لي رغيف خبز ساخن.. قبلته.. واقتسمته معه.
في مساء اليوم التالي لمحاولتي العيش بذراع واحدة وساق واحدة.. جلست في الشارع.. كان رتلان من المقاعد الخشبيَّة.. يصطفَّان أمام الباب.. وفرعان من مصابيح الإنارة تتدلَّى فوق رؤوسنا، وصوت رخيم لشيخ يتلو القرآن.. ينسال من “فلاشا”.
للحظة قفزت من فوق مقعدي.. تخيَّلت أنَّ نصفي الثاني بداخل البيت.. ويتحتَّم عليَّ أن أناديه كيما يصافح ضيوفنا. أمام المرآة ألمح نظرة عين نصفي الآخر.. في عيني.. تنفلت دموعي.. أتماسك.. أحاول أن أكون بخير.

بقلم: عماد أبو زيد

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى