
أحيانا تمر علينا الحياة دون أن ندركها.
مثل كذبة جميلة ، نظل نصدقها حتى تصبح الحقيقة الوحيدة ، لم أكن أصدق حين كنت تقول لي أن الحياة لا تتبدل ، ولكنها تبدلتّ يا حبي ، أصبحت أكثر هشاشة ، وكأننا على حافتيّ العالم ، نظل نمدّ أيدينا نحو بعضنا دون أن نصل ، وكأننا سحابتان مهاجرتان لا تلتقيان أبداً رغم قربهما.
ذات ليلة رأيتُ حلماً ، إحدى شخصياتي هربت من الورق وجلست تحاسبني ، رأيتها تختنق ، وتكاد تتقيئ الحبر على منامتي ، داهمني شعور بالضآلة لأنني أظلمها ، واكتب مصيرها بلا ندم ، وكأنها تحاسبني على خوفي ، وجبني ، وكأنني راضية عما أفعله بها بلا رأفة .
لم أعد أحلم.
هل هذا شيء طبيعي ؟
كم مرة سألتك أن تلتقطني حين أضيع ، فهذا العالم الشاسع مخيف ، ولا يعبر الا القلوب الحزينة ، وكم مرة سددتُ اذناي حين تصفر الريح كي لا اسمعها ، فأنا اخاف هذيانها حين تثور ، تماماً كما تفعل الحياة بنا ،تقذفنا متباعدين وتطلب منّا أن نكون أكثر رأفة.
من كان يتصور أننا بلحظة سنكون مسؤولين عن حياتين إحداهما مرّة وجافة ، والأخرى كائن غامض ، تكّون من كثرة ما رمينا حقائبنا في بيوت الآخرين ، نبحث عن رفقة ، أو أمسية هادئة ، أو طبخ يدوي لم نعد نتذوقه حين قذفتنا المطارات ، وأمست أيامنا عبارة عن صفحات نطويها دون أن نعرف ماذا أضحكنا وماذا أبكانا.
أنا لا ألومك.
فهذه البلاد ظالمة ، إنها كالمرايا ، تمسح الغبار عن قلبك لكنها لا تلّمعها ، شوارعها نور ، وزواياها معتمة ، تماماً مثل ولد صغير يسرق لأول مرة.
وها أنا أعدّ – في كل لحظة أشعر بالحزن – كل الأماني التي تمنيتها ولم أدركها ، ولا أعرف من منا على حق ومن منا على خطأ ، ننتظر عقاباً أو ثناءً لن نعرفه.