رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب :الدراسات المستقبلية : الشرق الاوسط في العشرية القادمة

شكل الشرق الاوسط نقطة عناية كبيرة للدراسات المستقبلية في اغلب الجامعات ومراكز الابحاث المختلفة، ومن الطبيعي ان تتباين نتائج هذه الدراسات نتيجة للتباين في طبيعة المنهجيات المستخدمة فيها ، وفي مستوى وصولها للمعلومات الاكثر دقة حول المؤشرات المستخدمة اضافة الى درجة التحيز المعرفي بين دراسة وأخرى.
نتيجة للمحاذير السابقة، حاولت رصد اهم “الاستشرافات” للاتجاهات العامة ” المتفق عليها بقدر كافٍ بين الباحثين في الدراسات المستقبلية ، وكانت النتائج كما يلي:
اولا: الافاق السياسية حتى عام 2036 وتحديد مستوى الثقة في الاستشراف:
1- ستزداد مراكز القوى الاقليمية في المنطقة والسير نحو التعددية في هذه المراكز(نسبة الثقة عالية جدا): ويتجسد ذلك بظهور مزيد من قوى المنطقة التي سيتزايد دورها ، وستكون القوى الفاعلة هي ايران وتركيا واسرائيل ومصر والسعودية والامارات، مع احتمال استمرار انشغال المغرب العربي بهمومه الذاتية من ناحية وبهموم دول الساحل الافريقي في ظل التنافس الدولي عليها من ناحية اخرى.
2- تراجع نسبي لمركزية الولايات المتحدة في سياسات المنطقة مع استمرار ثقلها العسكري في المنطقة.( الثقة عالية)، وستكون المزاحمة للنفوذ الامريكي من الصين وروسيا والهند ، وهو ما يعني ان الشرق الاوسط سينتقل من ثنائية القوى الدولية المتنافسة الى تعدديتها ، والمرجح ان التأثير الامريكي سيبقى في المنطقة لكن بمستوى اقل من المراحل السابقة،وسينتج عن ذلك تزايد العلاقات الخليجية مع الصين وتركيا والهند، ومن المرجح ان االمشروع الصيني للمنطقة(الحزام والطريق) والهندي (الممر الاقتصادي لاوروبا) سيتنافس مع نزوع تركي نحو تدشين ممرات لوجستية تعزز من الدور الاقليمي لتركيا في اطار منظور “عثماني بحلة جديدة”..بل ان بعض الدراسات تتوقع ان تتجاوز الهند في مكانتها المكانة الصينية في المنطقة مع نهاية العشرية القادمة.
3- تبقى ايران قوة اقليمية اساسية ،مع تغير في ادوات نفوذها في الاقليم(ثقة عالية)، إذ ستعمل ايران على تعظيم مردود موقعها الجغرافي وثقلها السكاني وقدراتها العسكرية المتنامية وثروتها الطاقوية بمرونة اعلى من المراحل السابقة.
4- يبقى الصراع الفلسطيني الاسرائيلي قائما مع تغير المشهد خلافا لما كان قبل 2023(عالية جدا)، وبمقدار ما ستواجه القوى الفلسطينية من تعقيدات ،فان اسرائيل ستواجه بدورها تعقيدات جديدة(سأعود لها بعد قليل).
5- يبقى أمن الانظمة السياسية العربية يعلو على امن الدولة والمجتمع في معظم الدول العربية(عالية): من منظور تاريخي، عزز عقد عدم الاستقرار السياسي في الدول العربية من 2011-2021 شعورا لدى النظم السياسية العربية بان التهديد لها ليس افتراضا بمقدار ما هو حقيقة تاريخية( منذ عزل الشاذلي بن جديد، طرد بن علي، قتل القذافي، الحرب الاهلية في السودان منذ سقوط عمر البشير، سقوط مبارك ومرسي، انهيار علي عبدالله صالح ، انهيار البعث في العراق بمقتل صدام حسين وفي سوريا بهروب بشار الاسد ، اضافة لدلالات التحركات الشعبية في المغرب والاردن خلال نفس الفترة ، كل ذلك ادى الى التخوف من اية اصلاحات سياسية واجتماعية ،وهو ما دفع لتشديد القبضة الامنية بغض النظر عن مستوياتها .
6- مستقبل الاسلام السياسي: نظرا للوزن السياسي والاجتماعي لظاهرة الاسلام السياسي ، فان الدراسات المستقبلية تميل الى التوجهات التالية:
أ‌- تراجع القوة الانتخابية لهذا التيار (عالي جدا)، وتشير الدراسات الى تجربة حزب العدالة والتنمية المغربي الذي بعد عشر سنوات من حكومته خسر حوالي 90% من مقاعده في عام 2021، فالوصول للسلطة يُخضع التيارات للامتحان الميداني ،وهو ما يكشف قدراته الفعلية ،فكرسي المعارضة اسهل كثيرا من كرسي السلطة.
ب‌- سيبقى الاسلام السياسي قوة سياسية اجتماعية ولن يختفي (عالي جدا)، وهنا نجد اجماعا بين الباحثين في الدراسات المستقبلية على القدرة الكبيرة للاسلام السياسي على التكيف (وتجربة الاخوان في العالم العربي دليل على ذلك)، وهو ما يعني ان هذا التيار لن يختفي لكنه سيفقد بعضا من وزنه السياسي وجاذبيته، وهو ما يعني –طبقا لنتائج هذه الدراسات- تنامي النزعة الدعوية داخلة على حساب النزعة الجهادية.
ت‌- سيحاصر النزوع الجهادي في فكر الحركة الاسلامية لجعله “تهديد امني اكثر منه مشروع لنظام حكم”(عالي)
ث‌- تزايد التجزؤ داخل التيار الاسلامي مع ظهور اجيال جديدة(عالي جدا)، فالتغيرات الداخلية وتنامي قطاع الشباب ، وتأثيرات العلوم الحديثة ،والضغوط الدولية والاقليمية على هذا الاتجاه ستدفعه نحو مزيد من التنوع الذي سيعبر عن نفسه بفصائل دينية ذات توجهات متعددة ومتباينة، لكن ذلك لا يعني اختفاء تام للنزعة الجهادية ،لكنها ستكون اقل قدرة على “التجنيد”، وسيبقى انهيار الدول والحروب الاهلية وتجذر الشعور بالتهميش الاجتماعي لقطاعات من السكان دافعا نحو العودة نسبيا لصفوف الجهاديين.
ج‌- ايران والاسلام السياسي: ثمة فرق جذري بين ايران والدول العربية ، فالدول العربية فيها حركات اسلامية، بينما ايران فيها “نظام سياسي ودولة مبنية على اساس منظور ديني” وهو ما يعني ان مستقبل الاسلام السياسي في ايران مرتبط بمستقبل الدولة،اما في العالم العربي فهو تيار لا يحكم بل كثيرا ما تم توظيفه لمساعدة الانظمة على التكيف مع التحولات التي تجري ، ومن هنا فمستقبل التيار الديني في ايران مرتبط بمستقبل الدولة الدينية الايرانية.
ح‌- العلاقة بين الصراع العربي الصهيوني وبين الاسلام السياسي: ترى اغلب الدراسات ان عودة الاسلام السياسي مرتبط ببعد هام هو الصراع العربي الاسرائيلي، فالغطرسة والتوسع الاسرائيلي والتهجير واقامة مناطق عازلة حولها على حساب الدول العربية ،قد يعيد الاسلام السياسي للنهوض.
ثانيا: اسرائيل:
تميل الدراسات المستقبلية التي ترصد الواقع الاسرائيلي الى النتائج التالية:
أ‌- تزايد الاعتقاد بان القيمة الاستراتيجية لاسرائيل في الولايات المتحدة ستستمر في التراجع ،وهو ما دفع الحكومة الاسرائيلية للتخطيط على اساس ترجيح احتمال “توقف المساعدات العسكرية الامريكية لاسرائيل خلال العشر سنوات القادمة)،وهو ما وصفه نيتنياهو بمشروع ” السلام اليهودي-Pax Judaica)) (اي الاعتماد على القدرات الذاتية)
ب‌- تزايد القوى الاقليمية المنافسة لاسرائيل يجعلها اكثر عرضة لمزيد من الاستنزاف، فالى جانب ايران ،ثمة مزاحمة تتزايد مؤشراتها من تركيا، وهو الامر الذي تكرر في الادبيات السياسية الاسرائيلية مؤخرا، بل تخشى اسرائيل من ان تضطر الى تقديم تنازلات للولايات المتحدة والقوى الاقليمية لبناء نظام امن اقليمي تشارك فيه دول عربية وتركيا وربما ايران بقدر يقلل من حرية القرار الاسرائيلي.
ت‌- تواجه اسرائيل ازمات داخلية حول موضوعات حساسة مثل : قانون التجنيد،تراجع المعدل الديمقراطي ،التغول التنفيذي على القضاء،تنامي العزلة الدولية والتغير في صورة اسرائيل لدى المجتمع الدولي، ناهيك عن عدم وضوح الافق السياسي للوضع في الشرق الاوسط. وللتدليل على اهمية الازمات الداخلية نشير الى ما يلي:
1- تشير استطلاعات الرأي العام الاسرائيلي (معهد الامن القومي) الى تزايد واضح في القلق من عنف داخلي بين اليهود في اسرائيل، الى حد اعتباره خطرا اكبر من الخطر الايراني،ويرى 55% ان الخطر الداخلي هو الاكبر، وان احتمال اندلاع عنف داخلي يصل الى 60%.
2- عقدة التجنيد وازمة الحريديم: معلوم ان الحريديم لا يقبلون الالتحاق بالجيش، والخطورة مستقبلا تتضح في ان 40% من طلاب الصف الاول في اسرائيل هم من ابناء الحريديم، وهو ما يعني احصائيا انه بعد عشر سنوات سيكون اكثر من 40% من المطلوبين للتجنيد هم من الحريديم المعفيين ، وهو ما سينعكس على القوة العسكرية وعلى الشعور بالغبن من القطاعات غير الحريديمية.
3- انعكاس الصراع الديني العلماني على المؤسسات في الدولة بخاصة المؤسسات الخشنة(الجيش والشاباك ..الخ)
4- فقدان الثقة بالاستقرار: تشير المصادر الاسرائيلية الى ان معدل الهجرة ” السنوي” من يهود اسرائيل بلغ بعد الطوفان حوالي 76 الف مهاجر سنويا ، وهو ما يعادل خمسة اضعاف المعدل قبل الطوفان،كما ان الهجرة الى اسرائيل انخفضت لثلث الاعداد التي كانت عليه قبل الطوفان.
5- ترجح الدراسات ان اسرائيل ذاهبة في مشروع لحل للقضية الفلسطينية يقوم على اساس ” دولة واحدة في كل فلسطين مع عدم مساواة بين العرب واليهود،مع سيطرة امنية شاملة ،والتطهير العرقي التدريجي الخشن والناعم،واستمرار التضييق على مصادر الحياة للفلسطينيين لخلق ظروف قاسية تدفع للهجرة،، وكل هذه السياسات قد تنطوي على”اضطراب في المنطقة، وفتح المجال لعودة الاسلام السياسي، وخلق شكوك في الدول العربية المجاورة بان الحل على حسابها”..وهنا يتجدد المأزق الاسرائيلي.
ثالثا: الآفاق الاقتصادية: وتتمثل في :
1- تنامي النزوع الخليجي لتنويع بنية اقتصادياته باتجاه قطاعات غير النفط والغاز دون اغفال هذا القطاع، وسيزداد التوجه نحو الطاقة المتجددة والهيدروجين والاقتصاديات منخفضة الكربون، ويبدو ان النزوع نحو الاستثمار الخليجي في مجالات اللوجستيات والخدمات المالية سيتزايد تدريجيا .(عالي جدا).
2- ستبقى مشكلة البطالة والنمو الاقتصادي هي الاكثر صعوبة امام الحكومات العربية بكل ما تنطوي عليها من مخاطر،فالقدرة على خلق وظائف جديدة لا يتناسب مع التزايد السكاني العالي،كما ان الاتمتة والذكاء الاصطناعي سيدفع الى تغيير في المهارات المطلوبة لاداء الوظائف الجديدة ،وهو ما يزيد من تعقيد المشكلة.(عالي جدا) .
3- ستزداد مشكلة المياه تعقيدا وإشكالية لاغلب الدول العربية(عالي جدا) وسبب ذلك هو الندرة في المياه ، او التحكم في المصادر من دول اخرى(تركيا او اثيوبيا..الخ) او بسبب سوء الادارة لهذا القطاع.، وتتوقع الدراسات ان نصيب الفرد في الشرق الاوسط من المياه سينخفض الى اقل من 500 متر مكعب سنويا خلال السنوات الخمس القادمة، وهي نسبة يراها الخبراء بانها خطرة جدا.
4- صعود الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة مع اتساع الفجوة بين دول المنطقة في هذا الجانب، وهو ما قد يترتب عليه هجرات وتقاطعات تحول دون التنسيق الاقتصادي والمشروعات المشتركة..(عالي)
اخيرا تبقى البجعة السوداء راقدة فوق “ربما”

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى