
يطوف الطرقات يهذي بعبارات مبهمة تارة وبفحيح يشبه ما يخفيه خلف منظره الأشعث وردائه الذي تراكمت عليه قسوة ليالي الشتاء ونهار الصيف! أحياناً أخرى!! اقترب من زمرة تلعب النرد على القهوة التي يحتسي طيبها ما تتطلب نفسه التي ملأها الحزن وثورة مكتومة! صاح بصوت مبحوح وثورة بين كلماته من حين لحين :- (( على أي شيء تتشاجرون؟! أنكم مغيبون من أجل ضياع قضيتكم دون أن تسألوا : أي هي؟! أفيقوا من وهمكم!.. أخرج قطعة من قماش ملطخة ببقايا دماء قد بهتت ألوانها :- ((تلك بقايا قضيتي! ورغم أنني لم أغفل عنها إلا إنها سرقت منى! واستباح غربان الأجساد أشلاءها!! حاربت من أجلها ولكنني سقطت تحت ركلات السجان، وضربات قاسية! كنت أغفو! غفوة متقطعة في ليلي الطويل القاسي! أتدرون من كان السجان إنها ….!! تغافلته الكلمات القاسية الساخرة لكنه لم يستسلم فعاوده :- (( أسخروا، كما تسخرون من كل شيء! لو نظرتم في مرآتكم ستسخرون من أنفسكم!! انهم يحركونكم كالعرائس! لا كالبهلوانات لكي تكونوا سخرية في كل وقت!! تتشدقون بحديث كحطب في مهب الريح، فتتراقصون في حضرة سجان منكم، ولكنّه….!. قهقهة صدرت تتخللها رشفات من أنفاس تملأ الصدر بالدخان ولكنّه تجاوز سخريتهم بضحكة – حزينة، وما أن كاد يحطم الصمت الذي اتخذه ملاذا من سخريتهم حتى قاطعه مريد نخب الجريدة جانباً :- (( كلامك لن يصيب منهم ولو كلمة لأنهم لا يعرفون سوى ” الشجار بلعب النرد من أجل قليل من نقود يشترون بها ما ينسيهم مشاكل الحياة وأعباءها! التي لا فكاك من شباكها إلا في عالم أوهامهم أو….!! أو….!! قاطعه آخر من بين رشفات كوبه نصف الممتلئ(( ونادر ما يعودون من هذيانهم وما زالت عقولهم لم تعطى بعد، بل في أوقات كثيرة يعودون بعد أن تلقى عليهم زوجاتهم سطلاً من….؟ قاطعه آخر من بين حالات الدخان (( دعهم وأعباءهم فلقد غدا شبابهم عاجزا عن فعل تساقطت الحروف من بين دموع أنهمرت رغما عنه :- أفيقوا من وهمكم حتى لا تكونوا عبيداً في وطنكم يعلنون بيعكم في سوق يكون فيه القصاب هو النخاس والنخاس يرتدي ثوب الواعظ، والواعظ جعجعة جوفاء والقاضي ممتلئة جيوبه من السلطان والسلطان يعلو على أكتاف ورؤوس احنت له قصداً أو قهراً، فتباع أحلامكم في الأسواق من اجل كسرة خبز أو حفنة شعير!! ورويداً رويداً تغدون لاجئين منفيين في وطنكم و…
(٢)
تتوالى الأسئلة التي لا أجابة لها! فتعلب الحيرة بعقولهم التي ما زالت غير فطنة! وتتساقط الأسئلة من بين أجوبة جوفاء، وهذيان يمتزج برشفات من قهوة مرة ونظرات ذائعة ما بين الحقيقة والوهم المقيم بين همستهم وأحاديث لا تخلو أحياناً أخرى من هذيان جميل!! وما أن ترك القهوة بعد أن نفخ النادل ما يزيد عن ثمن ما احتساه حتى قال أحدهم :-… أني أقسم أنه غير مجذوب! إنه عميل لجهاز ما! ويتقن دوره جيداً من أجل…. بتر حديثه آخر :- من الممكن أن يكون حديثك صحيحا! ومن الممكن أن يكون خطأ!! ولكن الذي يحيرني من أين له بثمن طعامه وشرابه؟! وأين ياترى يختفي ثم يعود ثم….!! قاطعه آخر من بين رشفات قهوته :- (( أتصدقوني! لقد رأيته من منذ أيام مضت يرتدي بدلة أنيقة ويركب القطار المتجه إلى….!! قاطعه آخر بعد أن ترك الورق من يده :- (( ألم أقل لكم إنه عميل ويتقن عمله جيداً ليترك في نفوسنا الحيرة والريبة منه و… قاطعه صاحب القهوة صائحاً من بين دخان شيشته :- (( عميل ….! بدلة ! …. أنكم تخرفون ما لنا سوى أنه يدفع ما يحتسيه بلا مشاكل! وأنت أيها الصبي :- ما إن حضر الصبي بين يديه حتى نهره بلطف:- أهتم.. بالاستاذ عند الباب الخلفي! من فترة جالساً دون أن يحتسي شيئاً… ثم عاد ينفث ضجره بين هالات الدخان ورشفت قهوته. وهو يراقب المارة بعيون ذئب ماكر! وأذن تسمع ما يدور خارج وداخلاً وما يدور من احداث على الشاشة الكبيرة التي تتوسط الحائط الخلفي من الباب الخلفي!.
لقد ألجمت المفاجأة ألسنتهم! وجعلت أصابعهم تصاب بصدمة مؤقتة ولكنها قوية بعضاً ما عندما انتبهوا لما يدور على الشاشة الكبيرة!! لقد كان يتحدث بلباقة على الشاشة جعلت الحيرة والدهشة تلجم لسانه ما يحاورهم من أمهر المحاورين!
كما ترك الحيرة والدهشة وأسئلة بلا أجوبة في نفوس أصدقائه سابقاً*