
أنا جرحٌ قديم
يمشي على قدمين،
وفي صدره
قيثارةٌ مكسورة الوتر.
كلما مرّت يدٌ
على خشبها،
تذكّرت أصابعَ عازفٍ
بترتها الحرب.
ومن صمتي
تخرج صرخةٌ
تضيق بها الحناجر،
ويعجز اللون
عن حمل ظلّها.
في يدي قلمٌ
يشبه عود ثقاب
في ليلٍ طويل.
لا يكتب على السطر،
بل يشعل البياض،
وكلما احترقت صفحة
خرج من رمادها
وجهُ وطن.
أنا أسد بابل،
واقفٌ منذ قرون
على حجرٍ أكلته الشمس.
لا أحرس بوابةً،
بل أحرس ما تبقّى
من ذاكرة الطين.
خلفي
مدنٌ نامت على جمرها،
وأمهاتٌ
يخبئن أسماء أبنائهن
تحت الوسائد.
العراق
بيتٌ كبير
ضاع مفتاحه
في جيب الغريب.
كلما عاد أحدٌ إليه
وجد على عتبته
أخاً قتيلاً،
وقريباً يحمل خنجراً،
وظلاً لا يعرف
لمن يعود.
حتى الجسد
تعب من حمل الجسد،
فأسندتُ قلبي
إلى قلبي.
ومشيت.
في الطريق
رأيتُ اللصَّ
يصبغ يديه بالوطنية،
ثم يغسل بهما
أموال البلاد.
ورأيتُ الميكروفون
يبتلع أصواتاً
ويعيدها
بلهجةٍ واحدة.
ورأيتُ القلم
يخلع معطفه
عند باب السلطان،
ثم يعود إلى الورق
بلا أصابع.
أما الحقيقة
فكانت تجلس وحدها
في آخر القاعة،
تنتظر من يتذكر
أن لها اسماً.
أمةٌ
كانت تكتب على الطين
أول أبجدية،
ثم صار الطين نفسه
أخفَّ من كرامتها.
جاء الغريب
بخارطته،
وجاء التابع
بختمه،
وجاءت الذئاب
من الجهات كلها.
لم تكسر باباً.
كان الباب
مفتوحاً.
دخلت الذئاب،
وأكلت ما استطاعت،
ثم تركت لنا
مهمةً أكثر قسوة:
أن نتجادل
على اسم الذئب.
يا للسخرية!
الخيانة
ارتدت ثوب القانون،
والتبعية
جلست في الصف الأول،
والأمانة
بقيت واقفةً
خارج القاعة
تبحث عن شاهد.
صار الوطن
كلمةً كبيرة
على أفواهٍ صغيرة.
وصار الصدق
ضيفاً ثقيلاً
يُخشى أن يطيل الجلوس.
أما أنا
فأمشي وفي عروقي
شيءٌ من عناد الطين.
لا أبيع صوتي،
ولا أستعير وجهاً،
ولا أعلّق قلبي
على مسمار السلطة.
أنا شاعرٌ
كلما كتب قصيدة
بحث في نهايتها
عن نافذة.
وإعلاميٌّ
يريد للكلمة
أن تصل عاريةً
من المكياج.
وحين لم يجد
إلا جدراناً عالية،
كتب عليها:
هنا مرّ وطنٌ
وكان يمكن
أن يكون جميلاً.
ثم بكى.
لا لأن الدمع ضعف،
بل لأن بعض البلاد
تحتاج إلى دمعة
كي تتذكر
أنها ما زالت حيّة.
وأنا أبكي العراق
كما تبكي الأم
طفلاً لم يعد.
أبكي المدن
التي أغلقت نوافذها،
والشوارع
التي نسيت خطى أهلها،
والوجوه
التي صار الغياب
ملامحها الوحيدة.
لكنني لا أستسلم.
فالرماد
ليس دائماً نهاية النار.
والحجر
قد يحتفظ في داخله
بصوت المطرقة.
والقيثارة
حتى إذا انكسر وترها
تظلّ تعرف
أن الموسيقى كانت هنا.
لذلك…
إن جفّ الحبر
سأكتب بالجرح.
وإن انكسر القلم
سأترك للدم
أن يكمل السطر.
وإن خذلني الجميع
سأضع يدي
على تراب العراق
وأصغي.
فربما كان الوطن
نائماً فقط،
وربما كان تحت هذا الركام
قلبٌ صغير
مازال يتعلم
كيف يبدأ النبض.
وحين يستيقظ…
لن يجدني شاعراً
يبحث عن قصيدة،
بل قصيدةً
وجدت وطنها
بقلم: حامد الضبياني