رؤي ومقالات

سيرةُ جهةٍ خامسةٍ…..بقلم فيروز مخول

سيرةُ جهةٍ خامسةٍ
منذُ سنواتٍ أُخبِّئُ الجهاتِ الأربعَ في جرَّةِ ماءٍ.
كلَّما عطشتُ شربتُ طريقًا.
أعرفُ امرأةً تسكنُني.
كلَّما ضاقتْ نافذةٌ كسرتْ جدارًا في الهواءِ.
تمرُّ بين البلدانِ كما تمرُّ إبرةٌ في جسدِ الضوءِ،
وتعودُ محمَّلةً بروائحَ لم تكتشفْها الأشجارُ بعدُ.
أمِّي كانتْ تقولُ: المسافاتُ خيولٌ متوحِّشةٌ.
لذلك كنتُ أضعُ في جيبي حفنةَ غيومٍ وأخرجُ.
في آخرِ النهارِ أعودُ ومعي سماءٌ ناقصةٌ.
أحببتُ رجلًا بعيداً
إلى درجةٍ أنَّ الخرائطَ بدأتْ تشعرُ بالحرجِ.
كلَّما أشارتْ إليه ارتبكتْ أصابعُها.
وكلَّما منحتْه اسماً
طارَ منه المعنى.
أحياناً أسمعُ المدنَ وهي تنامُ.
للمدنِ شخيرٌ خافتٌ يشبهُ احتكاكَ الأنهارِ بأحلامِها.
منذُ ذلكَ الوقتِ
صرتُ أعيشُ كما تعيشُ الجهاتُ الأربعُ
بلا منزلٍ.
أضعُ رأسي على كتفِ مدينةٍ
وأستيقظُ في ظلِّ غيمةٍ.
أجلسُ مع الناسِ فيظنُّون أنَّني أُصغي إليهم،
بينما كنتُ في الحقيقةِ
أراقبُ الأفقَ وهو يبدِّلُ جلدَه خلفَ كلماتِهم.
وأنَّ نصفَ جسدي فقط هو الذي يشاركُهم الطاولةَ.
أمَّا النصفُ الآخرُ
فمنذُ زمنٍ يتجوَّلُ داخلَ زرقةٍ قديمةٍ
نسيَها البحرُ على كتفِ السماءِ.
وأنا… أُقلِّبُ القارَّاتِ
كما تُقلِّبُ امرأةٌ وحيدةٌ وسادتَها الباردةَ.
ثمَّةَ شيءٌ في صدري لا أستطيعُ تسميتَه.
وكلَّما تركتُه حرّاً
عادَ مغطًّى بحبوبِ اللقاحِ
كأنَّه كان يزورُ حدائقَ لا تنبتُ على الأرضِ.
وأجمعُ الريحَ من حبالِ الغسيلِ
وأطويها بعنايةٍ داخلَ صدري.
لا لأنَّني أحبُّ السفرَ
بل لأنَّ الطرقاتِ كلَّما رأتْني
أخرجتْ من جيوبِها خرائطَ جديدةً.
كلُّ الأشياءِ حولي تتصرَّفُ كأنَّها في طريقِها إلى مكانٍ آخرَ.
الضوءُ.
رائحةُ الخبزِ.
ظلُّ الشجرةِ.
حتَّى المرآةُ لم تعدْ تحتفظُ بوجهي أكثرَ من ثانيةٍ.
لهذا لا أُصدِّقُ الأبوابَ.
الأبوابُ فكرةٌ اخترعَها المستقرُّونَ.
أمَّا أنا فكلَّما وصلتُ إلى جهةٍ ما
سمعتُ في الجهةِ الأخرى صوتاً يشبهُني يناديني.
في الليلِ
أُعلِّقُ قلبي خارجَ النافذةِ كي يبردَ.
وفي الصباحِ أجدُه أكبرَ قليلًا،
كأنَّ أحدًا كان ينفخُ فيه من الجهةِ الأخرى للعالمِ.
لهذا حين يسألُني أحدٌ عن عنواني
أشيرُ إلى الأفقِ.
وحين يسألُني الأفقُ عن اسمي
أشيرُ إلى الفراغِ.
أمَّا الفراغُ، فمنذُ أعوامٍ، يناديني باسمٍ
لم أُولدْ بعدُ كي أحملَه.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى