
كثيرا ما تساءلت، وأنا أقلب صفحات الروايات الأدبية الجديدة والقديمة، ألن يستعيد العالم يوما، بعضا من وضوحه القديم؟ على الأقل لكي تجرب الأجيال القادمة. متعة تدريب حواسها على الفصل ببن الوهم والحقيقة، الشر والخير، الربح والخسارة. فتتعلم كيف تنتج بدورها سردياتها التي تحفظ لها تاريخ نبوغها، ومن طموحي الزائد، أريدها أن تأتي على شكل ملاحم.
لكم أشفق على فتيان وشباب الأزمنة القادمة، لأن الإنسان، كل إنسان يولد بريئا، قبل أن يفرض عليه الخضوع والذوبان والتماهي مع مقررات، ومفاهيم الأخلاق المرتبطة بحدود زمانية ومكانية، مسيجة بأسلاك منع قاتلة للإبداع الأصيل، والإرادة الحرة.
في هذا الزمن، لم يعد كتاب الرواية، يتمتعون بذلك البذخ الظرفي، الذي يوفر للكاتب أجواء مناسبة لظهور بطل ملحمي جديد، يشبه ولو قليلا شخصية “سيدني كارتون” المتفردة. لكن ولأن همم الروائيين لا تستسلم، أمام فكرة نفاذ الأنماط، ولا سوداوية الطرقات المقطوعة. نشهد وعلى مدار الوقت الروائي الراهن والمسترسل، طائفة من المبدعين القادرين على اكتشاف المزيد من تلك المرونة الحرة، التي نجدها عند أبطال فوضويين أمثال “تايلر دردن”، حيث يواصل الكتاب بصحبتهم، تقشير برتقالة السرد العملاقة. إنها إحدى الخطط الناجحة، لمواجهة عصرنا الحربائي، المنقلب على نفسه، والبارع في خلط الأوراق، وتحطيم القناعات عمدا، بشكل يلبس زورا حلة التلقائية، مما يخدع المتلقي، إن لم يكن عميق الرؤية ونفاذ البصيرة.
والحقيقة أنه ليس من التهور، أن نليس الشخصية الروائية عباءة البطل، لكن البطولة هي من أضحت جد متطلبة، نظرا لغموض المهام، وتداخل المفاهيم، وتشابك الخطوط الفاصلة بين صلاحيات الفضيلة ومفاهيم الفساد. فليس من الصعب على أي كاتب ذكي، أن ينسج أسطورة جديدة على منوال أسطورة القديس “جورج والتنين”، لكن شرط النضج السردي أضحى تعجيزيا، أخطره ألا يكون التنين كائنا محايدا دخيلا على الحضارة. وذاك أن المسافة الرمادية الفاصلة بين جمال العالم الأصيل، وقبحه الممنهج مكتضة، تشبه رصيفا مزدحما، بنسخ لا نهائية ل” غريغور سامسا”، وأحفاد “دون كيشوت”، مع عدد لا بأس به من الكتاب الذين، يصطفون في طابور طويل، ليحجزوا تذاكر التجريب، مراهنين على نسخ معدلة عن ذواتهم بشتى أشكالها الانفعالية المفترضة. بينما نلاحظ على الرصيف الآخر، مرتادو عوالم الفانتازيا الشبيهة بحدائق الألعاب، وأشباه الباحثين عن الكنوز، في دهاليز قصور الأزمنة الغابرة، يمشون في خيلاء أشراف القوم، الذين أدوا واجبهم المفروض للوعي الجماعي، بعيدا عن صداع المحاكمات، وأوجاع البتر التي تمارسها الرقابات السياسية والإجتماعية، تراهم يتحركون في منأى عن صخب الواقع، وما يحدثه تجار الأدب من ثقوب في جيوب معاطف السرد الثمينة، الذين ينسبون كل فضل إليهم، تسهل لهم هذه المزاعم، بيروقراطية أدبية نخبوية مغلقة على ذاتها، فلا مؤسسة تمنح كاتبا موهوبا، فرصة تسجيل براءة اختراع شخصية ما، أو عالم سردي باسمه، ولا نقاد أكفاء لمواكبة مستجدات وتطلعات وتراكمات المرحلة وتتبع نبوءاتها، ورصد الطفرات في سير الموهوبين حقيقة.
أما القراء، فقد تم ترويضهم، وتدريبهم على التبعية، خاضعون لهيمنة تأثير صدى الجوائز والإعلانات والحورات المصورة، التي لا يمكن اعتبارها معيارا للجودة، مع كم هائل من التحديات المستحدثة، أبخسها تشجيع القارئ على تحطيم أرقام قياسية في التهام الكتب، حتى تساوى مفهوم القراءة بتظاهرات رياضية مثل الجري والسباحة ورفع الأثقال.
في أصلها، كانت القراءة فعل انتخاب جماعي نزيه للذوق والفكرة، والكتابة قبل ذلك، كانت مشروع دفاع نبيل عن مراحل النضج الانساني النافعة. والتي بدونها تغدو الكتابة والقراءة معا مجرد ظواهر عابرة، مهما علا شأنها، سوف تستبدل بظواهر أخرى قادمة، وأغلب الظن أنها لن تساهم إلا في المزيد من عزل الكائن البشري عن معنى وجوده وصدى أفكاره وأثر سلوكه.