
منذ ان ساهم الروس في وصول دونالد ترامب الى كرسي الرئاسة الامريكي، عرفت آليات وخطوات صنع القرار واتخاذه في الولايات المتحدة تحولات جذرية ، وتأثرت مواقع وأوزان الافراد والمؤسسات بل و” اخلاقياتها الاجرائية ” وأكاد أجزم ان الوسط الاكاديمي الامريكي في ميدان علم السياسة حائر في “النمذجة النظرية ” التي تقف وراء ترامب في اتخاذ قراراته.
واقترح في مقالي هذا ان نطلق على سياسات ترامب اسم ” دبلوماسية النرد ( Dice Diplomacy)، وما يجعلني اطلق هذا المفهوم هو المقاربة بين قرارات ترامب من ناحية و” وعشوائية النرد في حدود الخيارات الستة) من ناحية ثانية ، ويمكن توضيح ذلك على النحو التالي:
1- غير المتوقع (Unpredictable ): اي ان القدرة على توقع القرار (او وجه النرد) هي في حدود 16.66%
2- المخاطرة العالية: لان تداعيات “غير المتوقع” تجعل التحوط من النتائج امرا فيه مخاطرة عالية.
3- ان تحقيق الاهداف- من الناحية العلمية وفقا لنظرية الاحتمالات- يعتمد على عدد التحركات المتسارعة ، مما يستدعي الربط بين النتائج ومرات الالقاء للنرد، وربما يُعد ترامب من اكثر زعماء العالم حاليا في القاء التصريحات والبيانات والتغريدات ..الخ، فنرده-His Dice – لا يتوقف .
4- فقدان الاستراتيجية المُحكمة بمقدار الارتهان الى نتائج “قذف النرد” او الاعلان عن خطط متلاحقة وتصريحات يناقض بعضها بعضا ،كما هو حال النرد.
ونعتقد ان دبلوماسية النرد لا تخلو من بعض المزايا ،فهي تحقق عددا من النتائج المهمة:
أ- ارباك الخصم واضعاف قدرته على التوقع بالفعل او رد الفعل التالي.
ب- خلق الانطباع لدى الخصم بالاستعداد لتحمل المخاطر
ت- تعزيز الشعور لدى الخصم انك معني بتحقيق نتائج سريعة ولا تمتلك رؤية مستقبلية بعيدة.
ث- يمكن تقريب مفهوم وجه النرد بالخيار التكتيكي مثل الوجه 1 تعني الحرب و 2 تعني التعرفة الجمركية و 3 تعني العقوبات و 4 تقديم المساعدات و 5 الانضمام لتكتل ما و 6 الانسحاب من تكتل دولي، وتكاد هذه الوجوه هي الطاغية على سياسات ترامب لكنها تتساوى في احتماليتها.
ان تاريخ العلاقات الدولية يعرف مفاهيم ماخوذه من ميادين مختلفة، وتم تطويرها لاحقا، مثل : دبلوماسية البنغ بونغ، او دبلوماسية حافة الهاوية، او نظرية الرجل المجنون …الخ.
ان نظرية الاحتمالات تنطوي على بعض المنطق ، فكلما زاد عدد مرات القذف كلما زاد احتمال الوقوع على الوجه المنشود، فإذا فشلت في الحصول على الوجه المطلوب في الرمية الاولى ،فان احتمالات الحصول تصبح اعلى مع الرمية الثانية والثالثة…الخ، وهو امر تتحكم فيه طريقة الرمي والامساك بحجر النرد والتي يمكن ان تحسن من قوة الاحتمال.
لكن المشكلة المركزية تبقى شاخصة في مجال صعوبة التنبؤ ، وهو ما يستدعي التركيز على وجه النرد بعد الرمي ،يقابله التركيز على ما يفعله ترامب لا ما يقوله، لان ما يقوله اكثر صعوبة من التنبؤ بوجه النرد القادم ..ربما.