رؤي ومقالات

د.وليد عبد الحي يكتب:ايران بين حصارها وحصارهم

في المشهد الايراني القائم حاليا هناك حصار امريكي يستهدف بشكل رئيسي اغلاق ابواب التجارة الايرانية النفطية والغازية الى جانب بقية بنود التجارة التقليدية ، وبالمقابل هناك حصار ايراني يتم باغلاق مضيق هرمز بل وفرض رسوم على التجارة عبره، مع تأكيد ايران على حقها في تطبيق “المرور البريء” الذي يعطي ايران الحق في منع مرور من تتوجس عداءه لها(رغم ان ايران وقعت على اتفاقية 1982 التي تنص على ذلك لكنها لم تصادق عليها )، خلافا لحق المرور العابر الأقدم عهدا من هذه الاتفاقية،والذي يسمح بمرور الجميع.
تقييم الحصارين:
أولا: الحصار البحري الامريكي:
حاولت مراجعة التقارير الدولية المختلفة حول حجم التاثير للحصار البحري الامريكي على بعدين هما الاكثر اهمية والحاحا على الوضع الايراني، البعد الاول هو النفط والغاز، حيث تتراوح تقديرات التراجع في حجم مبيعات النفط الايرانية ما بين 50-60%، وهنا لا بد من التأكيد على ان حجم مبيعات النفط الايراني في الاسواق الدولية تضرر بشكل كبير بعد الغاء الاتفاق النووي من قبل واشنطن عام 2018، إذ تراجعت مبيعات النفط الايراني من حوالي 2.5 مليون برميل الى نصف مليون بعد عامين. وازداد تأثير ذلك مع انعكاسات التضييق على النفط الايراني على تراجع الاستثمار الاجنبي وتزعزع القيمة السوقية للعملة الايرانية.
لكن ايران حققت قدرا من النجاح بعد عام 2021 ، من خلال مجموعة من آليات التكيف خلال الفترة من 2021 الى ما قبل ابريل الحالي (بداية الحصار الامريكي الحالي)، وتمكنت ايران عبر آليات التكيف هذه من رفع مساهمتها في سوق النفط الدولية الى حوالي 1.5 مليون برميل (كمعدل للفترة من 2021- اول عام 2026، وبلغ حتى مارس2026، معدلا اعلى ليصل الى حوالي 1.9 مليون برميل)، بل احيانا كان يصل المستوى الى 2 مليون برميل. ومن المؤكد ان الدور الصيني في هذا الجانب كان عظيما ،لانها امتصت الجزء الرئيسي من الصادرات النفطية الايرانية ، وهي دولة تجاوزت الانصياع للاجراءات العقابية الامريكية على ايران.
ذلك يعني ان الحصار البحري الامريكي الحالي هو محاولة لخنق التكيف الايراني الناجح خلال الفترة الماضية، وهنا يجب التوقف عند التكيف الايراني “الجديد” مع الحصار الامريكي البحري، فالتقديرات تشير الى ان الحصار البحري الامريكي اعاد مستوى الصادرات النفطية الايرانية الى مستوى يتراوح بين 500 و 600 الف برميل، لكن بعض التقديرات تشير الى ان ذلك هو تقدير التصدير “الرسمي”، لكن آليات التكيف الايراني رفعت هذا المعدل ،وهذه الآليات تشمل :
أ‌- آلية اسطول الظل(Shadow Fleet) ،وتتم من خلال ناقلات نفط قديمة تم تعطيل انظمة التعريف فيها(AIS)(اي تعطيل التتبع الآلي للسفن بحيث يتم تغييب موقع السفينة عن الاقمار الصناعية والسفن الآخرى(اي اقرب للتهريب) ،كما تقوم بتغيير مستمر لهويتها لتجنب الرصد.
ب‌- تغيير الوسم او الهوية البحرية (Rebranding)،ويتم ذلك بنقل النفط من سفينة لأخرى في اعالي البحار (وهو ما يسمىTransfer STS) لاخفاء منشا النفط اضافة لتزوير وثائق الشحن لبيعه كما لو انه قادم من دولة غير ايران.
وقد ادت هذه الآليات حتى منتصف ابريل الحالي الى تمكن ايران من تخزين كميات تصل الى 2 مليون برميل قبل الشروع بالحصار الامريكي بساعات ،كما نقلت ما يعادل 62 مليون برميل بين الناقلات خلال شهر مارس(قبل فرض الحصار كأجراء احترازي)، كما استعانت ايران بنقل النفط عبر السكك الحديدية وعبر دول الجوار غير العربية، لكن ذلك افضى الى تزايد الضغوط على التخزين الايراني من جوانب تقنية وتكاليف أخرى.
ت‌- توظيف ايران لنظام المقايضة النفطية(Oil Swap) ،وهو ما يعني ان ايران تستقبل نفط من جوارها الشمالي (كازاخستان وتركمانستان وروسيا..الخ) عبر ميناء “نكا” على بحر قزوين ، وتقوم بتكريره لصالح تلك الدول، ثم تقوم ايران بتصدير نفس الكمية من موانئها الجنوبية البعيدة عن الحصار نيابة عن دول الجوار الشمالي ،وهو ما يوفر لتلك الدول تكاليف النقل الضخمة لزبائنهم النفطيين.
اما الغاز ،فكان حجم التصدير الايراني حوالي 9.6 مليار متر مكعب سنويا قبل الحصار ، لكنه تراجع الى قيمة هامشية جدا بعد الحصار الامريكي البحري.
هناك جانب آخر تراهن عليه الولايات المتحدة في حصارها وهو الجانب الخاص بالمواد الغذائية، فقد كان العجز في الميزان التجاري الايراني في عام 2024 يصل الى حوالي 11 مليار دولار، لكن حجم الانتاج الغذائي المحلي الايراني يغطي 85% من الحاجة الايرانية حتى مرحلة بدء الحصار ، مما يعني ان التأثير السريع على هذا القطاع غير ذي اهمية، رغم مراهنة الولايات المتحدة على ان يفتح ذلك بعض التوتر الاجتماعي الذي يمكنها استثماره.
ثانيا: الحصار الايراني لمضيق هرمز:
إذا كان الحصار البحري الامريكي يضر الاقتصاد الايراني ،فان اغلاق المضيق من جانب ايران زلزل الاسواق العالمية، واستطرقت آثاره الى كل زاوية من زوايا العالم، وتمكنت ايران من ربط الحصارين ببعضهما، فهي تسعى لتوظيف حصارها للمضيق لفك الحصار الامريكي ومعه العقوبات كلها، وقد أدى ذلك لتوتر لا شك فيه في العلاقات الاطلسية وداخل الاتحاد الاوروبي ، وانتهت آثاره الى مكاسب روسية اقتصادية وسياسية .فإذا كانت الولايات المتحدة تضغط على ايران بحصارها ،فان ايران تضغط على امريكا من خلال اوروبا العطشى جدا للبترول ومن خلال دول الخليج التي وجدت نفسها بين نارين ،نار الاستجابة للضغوط الامريكية، ونار تعثر تجارتها واضطراب اسواقها وقلقها السياسي والعسكري.
ان الوضع الداخلي للولايات المتحدة لا يدل على حالة مُثلى ، ولا شك ان ايران ليست في الوضع الطبيعي ، ومن هنا فان الرهان على من يصرخ أولا: البراغماتي الامريكي ام لاعب الشطرنج ؟ ام ان الرئيس الروسي ينتظر نضج الطهي ليتدخل في اللحظة المناسبة فيعزز مكانة الدبلوماسية الروسية ، ويبدو ان ذلك في سباق مع الامل الاسرائيلي للعودة للحرب الامريكية مع ايران، وكل هذا يعني ان “شبكة العنكبوت” معقدة تجعل كل احتمال له نصيب من الامكانية ..ربما.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى