كتاب وشعراء

من شاشةِ هاتفي ليلةَ اشتعالِ الحرب…..بقلم أماني الوزير

من شاشةِ هاتفي ليلةَ اشتعالِ الحرب
يخرج صوتُ التغريبةِ الفلسطينية
ويهمس:
“يا طالعين عينَ للجبل يا مولَّعين النار
بين يا مان، يا مان عينَ هنا يا روح
ما بدي منكُم خلعةً ولا لا لا لا بدي زنّار
بين يا مان، يا مان عينَ هنا يا روح”
فأشعر أن الجبل ليس تضاريس،
بل عمودًا فقريًا
لا ينكسر.
المدن الآن
معلَّقةٌ بشاشاتٍ عملاقة
تبثُّ وجوهًا بلا دموع،
وقادةً يتحدّثون عن “الردّ المناسب”
بينما الأطفال يتعلّمون
كيف يفرّقون بين صوتِ الزنّانة
وصوتِ الغيمة.
في الخلفية
حلقةٌ جديدةٌ من “صحاب الأرض”
تتسرّب إلى الهواتف،
وإلى القلوب
تُربك مكاتب القرار في مستوطنةٍ ما
أكثرَ من أيّ بيان.
الفنّ حين يغضب
يصبح نشرةً عسكرية.
أمي تقول إن النكبة
لم تكن تاريخًا،
بل عضلةً مشدودةً في الذاكرة.
وأبي كان يحتفظ بالمفتاح
كأنه يحتفظ بقلبٍ إضافي
تركه في جيب قلبي قبل أن يغادر إلى حيفا ولم يعُد.
في المخيمات زغاريدُ الأمهات
تشُقُّ المدى فلا أعرف
أهو إعلانُ فخرٍ أم طريقةٌ بدائية
لمنع الصراخ من الانفجار؟
الكوكب صار غرفةَ طوارئ،
أضواءه بيضاءُ باردة،
ورائحته مُعقِّمٌ وخوف.
وأنا…
حين ألمس يدك
أُعلن عصياني كاملًا دون تبريرٍ ولا مشقّة.
جسدي ليس رفاهية،
بل بيانٌ حرّ.
شفتيَّ ليستا شهوةً فحسب، بل رايةً وشاهدًا.
حين أقترب منك
لا أهرب من القصف،
بل أخلق منطقةً محرّرة
بحجم صدرين يتنفّسان معًا.
تحت الخيام رأيت الأغطية تتجاور
كما تتجاور الحدود على الخرائط…
وكيف نصبح أقرب كلما مرّت قذيفةٌ فوقنا،
نقترب أكثر وأكثر وأكثر،
كأن الاحتكاك البشري
سلاحٌ دفاعيٌّ لم يُدرج بعد في الاتفاقيات.
أهمس لك:
بعض القذائف تشبه كرنفالاتٍ احتفاليةً
في آخرِ ليلةٍ ديسمبريةٍ
فتضحك وتعضُّ على شفتيك قائلًا
“يلعن شيطانك”
الموسيقى تدور خافتةً في رأسي
أدندن دون أن يرتجف الصوت في صدري
الأغاني ليست مجرد وسيلةٍ للطمأنينة والحلم…
بل ذخيرةٌ بديلةٌ للواقع.
كلُّ نغمةٍ هي طلقةُ ضوء.
أهمس لك:
إذا كان العالم يُدار بالحديد،
فلندره نحن بالنبض.
في هذه الديستوبيا
تُقاس قيمةُ الإنسان
بموقعه على الخريطة،
وأقيسك أنا
بموقعك على جلدي.
حين تضع جبينك على جبيني
أشعر أنني أوقّع هدنةً
مع التاريخ كله.
دعهم يتجادلون حول الشرعية،
حول السيادة،
حول من يملك الأرض.
ودعني وحدي أملك هذه اللحظة.
أملك ارتعاشك.
أملك حقّي في أن أكون امرأة
تشتعل حبًا
في زمنٍ يتقن الاشتعال بالبارود.
إن كان الخراب قدرًا عامًا،
فلنكن نحن الاستثناء الفاضح.
أنا أماني،
ابنة أمٍّ ما زالت تحفظ أسماء القرى،
وابنة أبٍ لم يسلّم المفتاح.
وأنت…
حدّي السياسيّ الأخير،
ومعركتي اللذيذة.
حين أضمّك وأخبّئك تحت جلدي
لا أبحث عن ملجأٍ فحسب،
بل عن وطنٍ
يتنفّس.

اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى